سيمون سمعان | رئيس التحرير
ما عاد يحتاج المراقب أية مؤشرات إضافية ليحدِّد مسار الضغط على "حزبالله". فالمنظّمة التي صُنّفت عالميًا إرهابية، وأميركيًا معيقة لمسار السلام، ولبنانيًّا خارجة على القانون، ما كان ينقصها بعد مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون من المنظّمة والسلاح والتدخّل الإيراني في لبنان، إلا إعلان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، أن دول المجلس تعتبر "حزبالله" اللبناني "بكافة قادته وفصائله منظمة إرهابية".
هذا المسار المتراكم والمتسارع، بالتوازي مع بلوغ الخسائر حدًّا لا يُحتمَل، يؤكّد أن الحزب أمام موجِب التخلّي عن سلاحه. وما عاد السؤال هل يقبل بذلك أم لا، بل كيف سيتم ذلك ومتى؟ وهاتان الكيف؟ والمتى؟ تدفع الأولى منهما إلى التفكير بعمق في ثمن حصر السلاح بيد الدولة وحدها. فيما تدفع الثانية إلى البحث منذ اللحظة عن التحضير للساعة الصفر، والتغيير المنتظر في المشهد اللبناني، وحال الحزب والبلاد في المرحلة الجديدة المقبلة!
في الواقع يُدرِك المتابعون أن المسألة الأهم ليست في السلاح بذاته بل في ما وراءه: في العقيدة. السلاح يمكن نزعه أو تدميره، أما العقيدة فتستمر.. بالنسبة إلى "حزبالله" السلاح هو أداة العقيدة، فكيف يمكن نزعه من دون نزعها؟ وأما خوض مسألة تغيير نشأة الحزب ومعتقداته وأهدافه التي تقوم أصلاً فوق الدولة وعلى حسابها، فيلزم توجيهها إلى حيث تُطبَخ العقائد وتُغسَل العقول وتُربّى الأجيال، إلى مدارس تحمل تعليمًا وتعاليمَ خارجَين عن منطق الدولة ومخالفَين لمندرجات دستورها.
يُناسِب الحزب أن تبقى الدولة منصّته وحاضنته و"مرضعته" وراعيته، ولا يناسبه إلغاؤها واستلام الحكم، لإدراكه أن للبنان تركيبته الخاصة التي تحول دون ذلك. لكن الدولة بمفهومها القانوني والمنطقي والواقعي، لا يناسبها أن تكون منصّةً لمنظّمة لا تترك لها القرار ولا السلطة ولا السيادة، لكنها تدعوها، كلما احتاجت، إلى إعادة الإعمار وترميم المرافق وتنظيف الشوارع وبناء الجسور.. سواء تلك التي دمرتها الحرب أو التي دمّرتها ممارسات المنظّمة المشينة مع دول الإقليم.
والسؤال، هل يمكن للحزب عندما يتم نزع سلاحه أن يتحوّل حزبًا سياسيًّا كما يعوِّل البعض؟ هناك مؤشران في راية "حزبالله" يؤكدان استحالة تحوّله حزبًا سياسيًّا وطنيًّا، لو أراد ذلك يومًا، وهما سلاحه وعالميته. فإن نُزِعَ سلاحه بالقوة هل يُغيِّر رايته؟ هل يُغيّر المعتقَد وجوهر النشأة؟ وأكثر من ذلك هل نزع سلاحه يجعله يتخلى عن عالميته بأن يكون أداة لنشر الثورة الإسلامية عقيدةً وأسلوبَ حياة حول العالم، وهل يقبل بالتقوقع ضمن حدود الجمهورية اللبنانية وتحت قوانينها ورايتها ونشيدها، بعدما بنى كل مملكته فوقها وبراية أخرى ونشيد أبعد من الحدود؟
فالمسألة إذن ليست في السلاح بذاته بل في وجهته، وإدارته، وقرار استخدامه، ومعناه عند حامليه. وهي ليست طبعًا في كمّيته ونوعيته ومداه، بل في تحوّله ورقة مفاوضات وسلطة، وصرفه على منصة النفوذ السياسي في بلد قائم على التوازنات المحسوبة بموازين الذهب، والقابلة للتفجّر عند أي اختلال مهما كان صغيرًا، فكيف إن كان مصليًّا على براميل البارود.
لذلك، فالمطلوب:
من الدولة.. السير بخطوات ثابتة ومدروسة، لا التهوّر ولا التخوّف! فالمهمة الأكبر على الدولة ليست نزع السلاح، بل نزع عامل الخوف لدى الطائفة الشيعية بالتوازي مع نزع عامل التخويف، بما يجعلها تتخلّى نفسيا عن الحاجة إلى السلاح، وإلى نفقٍ تحت الدولة لتأمَن، بل أن تثق بأنها في حاجة إلى جسر يربطها عضويًّا بالدولة وبسائر مكونات الوطن، ويغنيها عن التطلع إلى خارج الحدود، وينقّيها مما تحمل من اعتقاد بالمظلومية أو الحرمان. وعلى الدولة إفهام الحزب أن هذا لصالحه وصالح بيئته وليس لسحقهم.
من الحزب.. أن يعي ألّا دوام للحالات الشاذة، وأن البقاء للدولة وحدها، فلا حالة شبيهة بحالته في العالم استطاعت أن تستمر، ولا مثال واحدًا في التاريخ على أن هذا النوع من المنظمات استطاع البقاء إلى ما لا نهاية. فهي دائمًا تكون أداةً لدور، وعندما ينتهي الدور يُستغنَى عن الأداة، لأنها تصبح عبئًا على من أنشأها واستخدمها. وكيف يستمر ورمًا على جسم الدولة بدل أن يكون عضوًا فاعلاً فيها؟ وعليه أن يقتنع وأن يُقنِع جمهوره أن بإمكانه حمايتهم بالقانون لا بنسفه، وبالدولة لا بتعطيلها، وألّا استمرار للأدوات عند التغيرات ولا بقاء للإستثناء عندما تستقيم الأمور وتأخذ المسارات الطبيعية الدائمة مجراها.
من جمهور الحزب.. لا لوم عليكم في ما تعتبرونه تضحية وواجبًا، ولا غير التعاطف مع من خسروا ناسهم وبيوتهم ومصدر رزقهم وماضيهم وحاضرهم... لكن هذا لا يبرّر الإصرار على الضلال ورفض تقبّل الواقع، أو أقله البحث عن الحقيقة وعن بناء المستقبل. وهذا له قواعد وخطوط يعرفها كل من يريد اتّباعها.
من الشيعة بيئةً أوسع.. أن تراقب المتغيّرات والمعطيات وبموجبها تتصرّف. لا أحد أجدر منكم بتلمّس هذه المتغيّرات، ولا أحد أولى منكم بالمبادرة سريعًا إلى تلقّف الفرصة والحد من الخسائر التي باتت كبيرة وكبيرة جدًّا بما يكفي لاختراق حاجزَي الوهم والخوف، والإنتقال إلى عملية إنقاذ ذاتية ووطنية ملحّة.
من القوى اللبنانية الأخرى.. ربما تكون الخطوة الأولى في هذا المسار هي فهم أنّ منظمة "حزبالله" في لبنان هي ضحيّة قبل أن تكون عدوّة. هي ضحية مشروع النظام الإيراني الذي أراد من تخريب العقل الشيعي اللبناني أمرين: نشر الثورة الإسلامية عقائديًّا، وخلق منصّة له على التخوم الإسرائيلية استراتيجيًّا. فتحوَّل شيعة لبنان إلى تلك الأداة، وجنوبه إلى تلك المنصّة. وصار الإثنان ضحيّة. بعد هذا الفهم، على الجميع تحمُّل وجع استئصال الورم وكلفته، ليعيش الجميع بأمان.
في العام 1982 انتفض شيعة الجنوب بوجه المنظمات الفلسطينية لأنها تستدرج الإسرائيليين لتدمير قراهم، وهللوا للإسرائيلي عند دخوله يومها، لأنه كان يمثّل الخلاص من تلك الحالة الفلسطينية الشاذّة. فلماذا يفعلون اليوم ما كان يفعله الفلسطيني، ولماذا يلومون من يفعل ما فعلوه هم من قبل؟
المفاوضات سائرة، والشرق الأوسط يتغيّر، وقطار لبنان على السكة. وما على الجميع إلا شراء التذاكر لا الوقت، وحجز المقاعد، وربط الأحزمة.. ومن يتوانى يفوته القطار!
