بقلم حبيب عبود
يقول فريدريش نيتشه: "تقاس قوة عقل الإنسان بقدرته على قبول الحقائق التي لا تنسجم مع قناعاته." وفي هذا القول يضع الفيلسوف الألماني معياراً للذكاء الأخلاقي والفكري، فالعقل القوي ليس ذلك الذي يحشد الأدلة لتأكيد ما يؤمن به، بل الذي يمتلك الشجاعة لمراجعة ذاته عندما تفرض الوقائع حكماً مختلفاً.
ولو نظر عالم اجتماع إلى الحياة السياسية في لبنان من هذا المنظار، لوجد أن الأزمة ليست أزمة اقتصاد أو دستور أو نظام انتخابي فحسب، بل أزمة ثقافة سياسية تقوم على الانتماء قبل المعرفة، وعلى الهوية قبل المصلحة العامة، وعلى الولاء قبل الحقيقة.
فالفاعل السياسي اللبناني، على اختلاف انتماءاته، لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات قابلة للنقاش، بل باعتبارها عناصر ينبغي إعادة تفسيرها حتى تنسجم مع روايته المسبقة. فإذا نجح الخصم، أصبح النجاح مؤامرة؛ وإذا فشل الحليف، تحول الفشل إلى تضحية وطنية؛ وإذا انهارت المؤسسات، وجد الجميع تفسيراً يبرئ الذات ويلقي المسؤولية على الآخر.
هذه الظاهرة ليست حكراً على السياسيين، بل تمتد إلى جمهورهم أيضاً. فقد أنتج النظام الطائفي عبر عقود طويلة ما يسميه علماء الاجتماع "الهوية الدفاعية"، حيث يشعر الفرد أن الاعتراف بخطأ زعيمه يشكل تهديداً لوجود جماعته، فيفضل إنكار الواقع على مواجهة القلق الذي يولده الاعتراف بالحقيقة.
وهكذا تتحول السياسة من إدارة عقلانية للمصالح إلى ساحة لإعادة إنتاج القناعات. ويصبح الخطاب السياسي أشبه بطقس اجتماعي يهدف إلى تعزيز الانتماء، لا إلى البحث عن حلول. وفي مثل هذا المناخ، تفقد الأرقام معناها، وتصبح الإحصاءات والوقائع الاقتصادية والقانونية مجرد مواد خام يعاد تشكيلها بما يخدم السردية المسبقة.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن المجتمعات تتقدم عندما تنتقل شرعية الرأي من قوة الجماعة إلى قوة الدليل. أما عندما يبقى الانتماء هو المصدر الوحيد للحقيقة، فإن المجتمع يدخل في حلقة مفرغة يعيد فيها إنتاج أزماته مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت التحالفات.
إن لبنان لا يفتقر إلى العقول ولا إلى الكفاءات، بل يفتقر إلى فضاء عام يسمح للمواطن والسياسي معاً بأن يقولا: "كنت مخطئاً". فهذه الجملة البسيطة هي الشرط الأول لأي إصلاح حقيقي، لأنها تعني أن الحقيقة أصبحت أعلى من المصلحة، وأن الوطن أصبح أوسع من الطائفة، وأن العقل انتصر على العصبية.
ولعل إعادة قراءة مقولة نيتشه في السياق اللبناني تقود إلى نتيجة مؤلمة: إن قوة العقل لا تُقاس بعدد الشعارات التي يرفعها الإنسان، بل بقدرته على تعديلها عندما تفرض الوقائع ذلك. وعندما يصبح قبول الحقيقة فضيلة سياسية لا ضعفاً، يمكن للبنان أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن الدفاع المستميت عن القناعات إلى الدفاع الصادق عن الدولة.
