لم يكن انتقال القتال الإسرائيلي من جنوب الليطاني إلى شماله مجرّد تطوّر ميداني عادي. فقد كشف هذا التحوّل واقع الوحدات العسكرية التابعة لـ"حزب الله" بعد الضربات التي تلقّتها قوات النخبة خلال الحرب. وإذا كانت وحدة "الرضوان" قد تلقّت الضربة الأقسى في المرحلة الأولى، فإن المعارك اللاحقة وضعت وحدة "عزيز" أمام اختبار انتهى إلى نتائج لا تقل قسوة.
تؤكد معلومات أمنية متابعة أن وحدة "عزيز" تعرّضت لتقهقر كبير في قدراتها القتالية بعد استنزاف البنية العسكرية التي كان يعتمد عليها "حزب الله" في الجنوب. فـ"الرضوان"، التي كانت تُعتبر رأس الحربة الهجومية لـ"الحزب"، خسرت عددًا كبيرًا من كوادرها وقادتها الميدانيين، ما انعكس تلقائيًا على الوحدات الأخرى التي وجدت نفسها أمام عبء المواجهة.
وتُعدّ "الرضوان" القوة الأكثر تدريبًا داخل "الحزب"، وقد أُنيطت بها مهام هجومية خاصة. أما وحدة "بدر" فتتولى مسؤوليات عسكرية في البقاع، فيما تنتشر وحدة "عزيز" في القطاع الشمالي من الجنوب وتمسك بمناطق تقع شمال الليطاني. ومع توسّع العمليات العسكرية الإسرائيلية شمالا، أصبحت هذه الوحدة في واجهة المواجهة.
وبحسب المعطيات، فإن إسرائيل لم تعتمد فقط على التفوق الناري، بل على عمل استخباراتي واسع النطاق سبق العمليات العسكرية وواكبها. وتعرّضت المواقع العسكرية المعروفة والمستحدثة، سواء فوق الأرض أو تحتها، لضربات متتالية أدّت إلى إضعاف منظومة القيادة والسيطرة وفقدان القدرة على إدارة المعركة كما كان مخطّطًا لها.
شويُعتبر حجم الاختراقات الأمنية أحد أبرز أسباب التراجع. فالاغتيالات الدقيقة التي طالت مسؤولين ميدانيين وعناصر أساسيين دفعت "حزب الله" إلى اتخاذ إجراءات مشدّدة في التواصل بين الوحدات. لكن هذه الإجراءات تحوّلت مع الوقت إلى عبء ميداني، إذ تراجع التنسيق بين المجموعات القتالية إلى مستويات غير مسبوقة، خصوصًا مع تصاعد الخشية من أي خرق أمني بعد الضربات التي استهدفت منظومات الاتصال والعناصر القيادية.
ويواجه "حزب الله" مشكلة إضافية تمثلت في الاعتماد على مقاتلين أقل خبرة نتيجة الاستنزاف الذي أصاب كوادره الأساسية. فالعناصر التي راكمت خبرة طويلة في القتال لم تعد موجودة بالأعداد نفسها، فيما لم يتمكّن البدلاء، الذين لم يبلغ عدد كبير منهم سن الثامنة عشرة، من سدّ الفجوة التي خلّفتها الخسائر المتراكمة.
وتتحدث تقديرات أمنية عن خسائر بشرية كبيرة أصابت مختلف الوحدات العسكرية التابعة لـ"الحزب" خلال الحرب، ويقدّر البعض فقدان "حزب الله" أكثر من 4 آلاف مقاتل، عدا عن الجرحى. وترى هذه التقديرات أن وحدتَي "الرضوان" و"عزيز" تعرّضتا لعطب بنيوي نتيجة اغتيال عدد كبير من القادة الميدانيين والعناصر الذين شكّلوا العمود الفقري للهيكل العسكري. كما أن تراجع فعالية خطوط الإمداد أدّى إلى مضاعفة آثار هذه الخسائر.
وتؤكد المصادر أن الوقائع الميدانية شمال الليطاني تختلف عما كان يروّج له "الحزب" قبل الحرب. فالقرى والمواقع التي كان يُفترض أن تشكّل خط دفاع متقدمًا لم تتمكن من الصمود بالوتيرة المتوقعة. وتُظهر المعطيات أن سرعة التراجع في عدد من مناطق شمال الليطاني، خصوصًا في النبطية، كانت أكبر مما حصل في بعض المناطق الواقعة جنوب النهر، وسط استمرار حالة فرار مقاتلي "حزب الله" من الميدان والتحاقهم بمراكز الإيواء أو اختبائهم بين المدنيين. ويظهر هذا الأمر في سقوط موقع الشقيف وتلة علي الطاهر.
ولا يرتبط ما يجري فقط بخسارة مواقع أو مراكز عسكرية، بل يكشف أزمة أعمق أصابت البنية القتالية لـ"حزب الله". فالضربات الاستخباراتية، وغياب التواصل الفعّال، واستنزاف الكوادر، وتراجع الإمداد، اجتمعت كلها في لحظة واحدة. والنتيجة أن وحدة "عزيز" سلكت المسار نفسه الذي سلكته "الرضوان"، في مؤشر إلى أن الحرب لم تستنزف وحدات محددة فحسب، بل أصابت الركائز الأساسية التي قامت عليها القوة العسكرية لـ"حزب الله" طوال السنوات الماضية.

