صحافة

ثمانون ترامب أم خلافات إيرانية داخلية... ما الذي أرجأ توقيع طهران على مذكّرة التفاهم؟



لا تُعرف على وجه التحديد الأسباب التي جعلت إيران تتريث في التوقيع على مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. فبعدما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي تتولى بلاده دور الوساطة، قد أعلنا السبت أن التوقيع سيجري الأحد، خرج الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي لينفي أن يكون قد تم الاتفاق فعلاً على موعد بعينه للتوقيع، ورجّح إنجاز الأمر "في الأيام المقبلة"، على ما قال.

لا بد أولاً من الإشارة إلى أن مذكرة التفاهم هي عبارة عن اتفاق إطاري بشأن القضايا الخلافية التي ستتفاوض واشنطن وطهرانفي شأنها خلال مدة 60 يوماً، هي عمر الهدنة الرسمية بين الجانبين. وتنص الوثيقة، بحسب تسريبات من هنا ومن هناك، على أن إيران ستسمح، فور التوقيع، بعودة الملاحة في مضيق هرمز خلال 30 يوماً إلى المستويات التي كانت عليها قبل الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي. وفي المقابل، ترفع الولايات المتحدة الحصار البحري عن الموانئ الجنوبية لإيران. ويبدأ الجانبان في هذه الغضون مفاوضات حيال البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك تفاصيل تتعلق بكمية اليورانيوم المخصبة بنسبة 60 في المئة الموجودة تحت أنقاض منشأة أصفهان النووية التي دمّرتها الولايات المتحدة في حزيران/يونيو من العام الماضي. وهناك بند يتعلق بوقف النار على "كل الجبهات"، بما فيها لبنان.

أموال مجمّدة وخلافات غير محسومة
 
ثمة مسألة أساسية غير محسومة، وتتباين في شأنها التسريبات والمواقف. فالأنباء الواردة من إيران تؤكد أن طهران ستحصل على دفعة من أموالها المجمّدة فور التوقيع على مذكرة التفاهم، بينما يؤكد مسؤولون أميركيون أن واشنطن لن تدفع أي أموال قبل التوقيع على اتفاق نووي نهائي، وأن هذا الأمر سيكون مرهوناً بمدى التزام طهران بما يتم الاتفاق عليه.

ويشير إعلان ترامب والوسيط الباكستاني إلى أن مذكرة التفاهم باتت جاهزة للتوقيع (الإلكتروني) الأحد، إلا أن الخلافات التي كانت تؤخر ولادة المذكرة قد سُوّيت. لكن الموقف الإيراني الذي لم يحسم موعد التوقيع، قد يعود إلى أسباب بعضها رمزي وبعضها الآخر  سياسي. 

هدية لا تريدها طهران لترامب
 
وعلى سبيل المثال، يصادف الأحد عيد الميلاد الثمانين لترامب. ولا تريد طهران أن تقدم التوقيع في هذا اليوم كهدية للرئيس الأميركي الذي لن يتوانى عن الربط بين الحدثين.

واعتباراً من الإثنين، سيحضر ترامب قمة مجموعة السبع في فرنسا. ولو دخل الرئيس الأميركي إلى القمة حاملاً مذكرة التفاهم، فإن ذلك من شأنه أن يعزز موقفه أمام الأعضاء الآخرين في المجموعة، وجميعهم أبدوا معارضتهم للحرب واعتبروها غير قانونية، وأحجموا عن تقديم المساعدة للولايات المتحدة.

صراع داخل إيران؟
 
ولا يغيب عن البال أيضاً أن إرجاء التوقيع ربما مردّه إلى خلافات داخل إيران. وخرجت تظاهرات في طهران ومشهد ليل السبت تطالب بإقصاء وزير الخارجية عباس عراقجي عن منصبه. ومعروف عن عراقجي والرئيس مسعود بزشكيان أنهما أكثر مرونة في التعاطي مع الغرب، بينما يتخذ قائد الحرس الثوري الجنرال أحمد وحيدي موقفاً هو الأكثر تشدداً. ولطالما رجحت الكفة لمصلحة الأخير.

ويرى وحيدي أنه لا يزال في إمكان إيران انتزاع مطالب تتعلق بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة، وحسم مسألة تقيّد إسرائيل بوقف للنار والانسحاب من جنوب لبنان، قبل التوقيع على أي اتفاق مع ترامب.

وبحسب التجارب، أكثر من مرة كانت الولايات المتحدة وإيران على وشك التوقيع على مذكرة تفاهم، ثم تراجعتا في اللحظة الأخيرة، أحياناً لأسباب أميركية وأحياناً لأسباب إيرانية. 

كل ذلك يجري ولم يبدأ التفاوض في شأن القضيتين الجوهريتين: الملف النووي ومستقبل مضيق هرمز. هناك سيبرز التحدي الحقيقي. كيف سيتم التخلص من كمية اليورانيوم المخصبة بنسبة 60 في المئة؟ وكم هي المدة التي ستوافق عليها إيران لتجميد التخصيب؟ وما هي المبالغ التي ستوافق الولايات المتحدة على الإفراج عنها من الأموال الإيرانية المجمّدة ووجهة استعمالها؟

وفوق هذا، لا تظهر طهران بوادر تراجع عن وضع مضيق هرمز تحت سيطرتها بالاشتراك مع سلطنة عُمان.

كما أن إسرائيل، الرافضة بالمبدأ لأي اتفاق مع إيران، ستكون موجودة عند كل تفصيل يتعلق بالمفاوضات النووية المليئة بالفِخاخ.

سميح صعب - النهار