الواقعيّة السياسية فرضت على الجميع القبول بوقف إطلاق النار في الجنوب، حتى وإن جاء بصيغة إيرانية. لكنَّ النقاش بقيَّ مفتوحاً حول سبل "لبننة" الإتفاق الأميركي - الإيراني، بمعنى الإنتقال إلى المرحلة التالية منه بمعناه اللبناني، بما يسمح بمنع تجدد الحرب وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وأيضاً إعادة شيء من التوازن المفقود. تاريخ
من هذا المنطلق، تبدو الدولة اللبنانية من بين المستفيدين من جوهر الاتفاق. لذلك حاولت وتحاول إيجاد "صيغة هجينة" منبثقة عنه، تسمح بتزاوج مؤقت مع المسار الإيراني، على أن يليه تحقيق نتائج إضافية ضمن مسار واشنطن. لذلك، يأتي تبرير عدم إبلاغ واشنطن بيروت بمضمون الإتفاق والبنود المتعلقة بلبنان، لأنها متروكة إلى جلسة التفاوض المباشرة الخامسة مع الإسرائيليين المقررة في الثاني والعشرين من الجاري، التي يفترض أن تستضيفها واشنطن بعد يومين من التوقيع على الإتفاق مع الإيرانيين في سويسرا.
وعلى أساس أن الاتفاق أوجد ترتيبات إقليمية واسعة وانعكاسات داخلية لبنانية لا تقلُّ أهمية. يُفهم لبنانيّاً أنَّ معظم الأطراف، حتى تلك التي تُبدي ملاحظات أو تحفظات عليه، تحرص على إبقاء اعتراضاتها ضمن سقف محدد. لذلك، بدأ منذ الساعات الأولى لإعلان الاتفاق البحث في كيفية إسقاطه على الواقع اللبناني، سياسيّاً وأمنيّاً، ومعه بدأت عملية ترسيمٍ لحدود الحركة الداخلية والخارجية تحت سقفه.
ومن أبرز المفارقات التي كرّسها الاتفاق في أيامه الأولى، عودة الاعتراف الرسمي اللبناني بالدور الإيراني، ليس من باب الرهان على خيار طهران بحدِّ ذاته، بل من باب البناء على الاتفاق بوصفه فرصة يمكن استثمارها لترسيخ الاستقرار. ولوحظ أنَّ النشاط الإيراني تجاه أركان الحكم اللبناني قد ارتفعت وتيرته خلال الأيام الماضية، وأبرز تجلياته الإتصال الذي حصل بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ووزير الخارجية الإيرانية عباس عرقجي. وللمرة الأولى منذ أشهر، تعامل الحُكم في لبنان مع هذا التوجّه بواقعية سياسيّة. وفُهم في أعقابه، أنَّ بيروت وطهران في صدد الدخول في إجراءات لترتيب العلاقة بينهما ربطاً بنصائح إقليمية. في الوقت نفسه، أعاد الاتفاق إحياء شكل من أشكال التعايش السياسي السعوديّ – الإيراني في بيروت، وهذا ما انعكس بصورة مباشرة على سلوك القوى المحليّة المختلفة. تاريخ
وفي هذا السياق، يتعامل حزب الله مع الاتفاق باعتباره فرصة لتحقيق توازن داخلي، فيما تنظر حركة أمل إليه على أنّه مدخل لإستقرار سياسي أوسع تحت سقف إقليمي واضح. والطرفان، يتفقان على أنَّ الجوَّ الحالي "مثالي" لتحقيق قفزة سياسية نوعيّة.
بطبيعة الحال، لا يمكن لاتفاق بهذا الحجم أن يخلو من النتائج السياسية. إلا أنَّ الثنائي الشيعي يسعى إلى استثمار هذه المساحات بحذر وتوازن، من دون تجاوز الحدود التي رسمها. فالكلام عن إسقاط الحكومة الآن وفي ظل أجواء التقارب الإقليمية "سابقٌ لأوانه" إن لم يكن خارج السياقات. وعلى وجهٍ أدق ليس محلَّ توافق حتى ضمن أركان الثنائي نفسه، فيما طرحُه في هذا التوقيت، على ما تشير مصادر، يأتي "مشبوهاً"، خاصة وأنَّ قوى سياسية مناوئة للثنائي، استخدمته بغرض القنص عليه. أدلة سفر وقصص الرحلات
لكنَّ ذلك، لا يعني بأنَّ الحكومة غير داخلة في الملفات المطروحة لتصحيح مساراتها، لكن ليس من بوابة إسقاطها وإنما تفعيلها. فما هو مطروح اليوم، يقوم على الإستفادة من الزخم الإقليمي في إدخال تغييرات تعيد إحياء التوازن إلى وضعية الحكم. وثمة قراءة سياسية تفيد بأنَّ لبنان لا يُمكن أن يبقى بمنأى عن التحولات التي فرضتها المرحلة الجديدة أو يبقى واقعاً في دائرة انقسام حاد على النحو الحاصل، لاسيما وأنَّ الإقليم بات ينظر إلى وضعية الانقسامات اللبنانية بحذر وريبة. لذلك عاد الحديث مجدداً عن احتمال إجراء تعديل حكومي يكفل تحقيق نوع من التضامن المفقود والمطلوب لتسيير المرحلة المقبلة. وفكرة التعديل الحكومي بحدِّ ذاتها سبق وطُرحت للمرة الأولى قبيل إقرار قانون التمديد لمجلس النواب الربيع الفائت. والطريق إلى ذلك يكمن في مسار من التنازلات المحليّة المتبادلة. سياسة
من وجهة نظر الثنائي، فإنَّ أيَّ تعديل وزاري محتمل يشكل جزءاً من عملية إعادة التوازن إلى المشهد السياسي الداخلي. فكما اعتبر خصوم حزب الله أنَّ نتائج حرب الإسناد الأولى عام 2024 أخلّت بالتوازن الذي أرساه اتفاق الدوحة عام 2008 وانتخابات عام 2022، وأنتجت سلطة سياسية مختلفة في مقاربتها للحزب، يرى الثنائي اليوم أنَّ نتائج مواجهة الاسناد الثانية أعادت تصحيح هذا الاختلال، ما يستدعي التعاطي مع الوقائع الجديدة.
أمّا مسار التصحيح، وفق رؤية الثنائي، يجب أن يأتيَّ بأسلوب غير صدامي. فالتغيير في موازين القوى، إذا كان قد حصل فعلاً، ينبغي أن يواكبه تعديل سياسي لا يقل أهمية. يبدأ مما يعتبره البعض تصحيحاً للخلل القائم داخل مجلس الوزراء. وتذهب بعض القراءات الى حدِّ الاعتقاد بأنَّ إجراء تعديل محدود قد يكون ممكناً أيضاً بسبب الأداء الهزيل لعدد من الوزراء، ووجود ملاحظات علنيّة حول عدد منهم لدى رئيسيّ الجمهورية والحكومة. كما أنَّ المسار الحالي، يفترض ألّا يحتمل وزراء من قماشة معادية لفريق داخلي أو إقليمي. تاريخ
مع ذلك، يبقى المدخل الأساسي لأيّ خطوة من هذا النوع هو التوافق السياسي، وهو أمر لا يزال غير محسوم حتى الآن. فأيُّ تعديل مفترض ينبغي أن يكون نتاج توافق ومشاورات.
وثمّة من يعتقد أنَّ ظروف هذا التوافق قد تنضج في مرحلة لاحقة نتيجة تلاقي مصالح أطراف متعددة. فهناك ملاحظات داخل السلطة نفسها على أداء عدد من الوزراء، وقد يجد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أنَّ التوقيت بات مناسباً لإدخال تعديلات محدودة على التشكيلة الحكومية، خصوصاً أنَّ الفكرة سبق أن طُرحت في مراحل سابقة. إلا أنَّ أيَّ خطوة من هذا النوع تبقى مرتبطة أيضاً بحسابات خارجية، وفي مقدمتها الموقف السعودي.
صحيح أنَّ الرياض تتعامل مع الحكومة الحالية ورئيسها بوصفهما جزءٌ من نفوذها السياسي في لبنان، إلا أنَّ بعض الأوساط تستبعد أن تكون معارِضة من حيث المبدأ لأيّ تعديل حكومي محدود يحظى بإجماع داخلي. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بمحطات سابقة شهدت تنسيقاً غير مباشر بين السعودية والثنائي الشيعي للحفاظ على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهة داخلية، كمثل ما حدث خلال مظاهرة أنصار الثنائي في محيط السراي، والتطمينات التي أُرسلت بعدم وجود رغبة سياسية بإسقاط الحكومة.
وفي هذا السياق، يبرز احتمال آخر يتمثل في تقصير ولاية المجلس النيابي والذهاب إلى انتخابات مبكرة، استناداً إلى المخرج القانوني الذي تركه قانون التمديد الأخير. فإعادة تكوين السلطة عبر صناديق الاقتراع قد تشكّل، بالنسبة إلى بعض الأطراف، وسيلة أكثر شرعية لإعادة رسم التوازنات السياسيّة وإنتاج حكومة جديدة.
غير أنَّ هذا الخيار بدوره يبقى خاضعاً لحسابات دقيقة تتصل بالتوازنات التي أفرزها اتفاق وقف إطلاق النار. فكل استحقاق انتخابي يعقبه تكليف وتأليف حكومة جديدة، وهو ما يمرُّ حتماً عبر ممرات سياسية وإقليمية شديدة الحساسية، عنوانها الأساسي الحفاظ على التركيبة الحالية وعدم المساس بجوهرها، مع إمكانية إدخال تحسينات محدودة عليها بما ينسجم مع الوقائع الجديدة.
عبد الله قمح - المدن
