لم يكد الاعلان عن الاتفاق الاميركي- الايراني على مذكرة تفاهم ستوقع رسمياً بعد غد الجمعة يخرج الى الضوء، حتى انبرى فريق الممانعة الى التهليل والتبريك بالانتصار الذي حققته الجمهورية الاسلامية للبنان في مواقف تستعيد فائض قوة لطالما مارسها الثنائي الشيعي على الدولة والشعب، ليس أقلها المطالبة بتغيير الحكومة أو وجوب اعادة النظر في اتفاق الطائف، الوحيد منذ عقود الذي حظي بإجماع لبناني، غير متوافر بأي شكل راهناً في ضوء خلافات جوهرية وشروط يسعى لفرضها كل فريق سياسي.
تاريخ
ارباب نظرية اعادة البحث في الاتفاق الذي انهى الحرب الاهلية وأرسى أسس النظام السياسي الحالي، يعتبرون بحسب اوساط "الثنائي" انه "خدم عسكريته" وأدى المهمة التي وُضع من أجلها". فالتحولات التي شهدها لبنان منذ إقراره عام 1989، ولا سيما على مستوى التوازنات الداخلية، تستدعي البحث في صيغة سياسية جديدة تأخذ في الاعتبار الوقائع المستجدة. وتشير الاوساط الى أن التمديد العملي للطائف خلال تسوية الدوحة عام 2008 لم يعد كافياً لمواكبة المتغيرات التي طرأت على البلاد.
اكتشاف المزيد
العرب وشعوب الشرق الأوسط
سياسة
مراجع جغرافية
وتذهب في قراءتها إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن لبنان يحتاج أولاً إلى "جردة شاملة" للواقع البشري والاقتصادي والاجتماعي قبل الشروع في صياغة نظام سياسي جديد، يشبه إعادة هيكلة كاملة لـ"شركة اسمها لبنان"، وفق تعبيرها.
في المقابل، يرفض مشاركون في صياغة وثيقة الوفاق الوطني تحميل اتفاق الطائف مسؤولية الأزمات التي تعصف بالبلاد. ويؤكد وزير سابق شارك في وضع الاتفاق أن الطائف "لم يُطبّق بالكامل "، ما يجعل الحكم عليه أو تقييم نجاحه أمراً سابقاً لأوانه، موضحاً أن الاتفاق تضمن آليات واضحة للانتقال التدريجي نحو دولة المواطنة وإلغاء الطائفية السياسية، إلا أن العديد من بنوده الإصلاحية بقيت حبراً على ورق. ويرى أن التوازنات الدقيقة التي قام عليها الاتفاق لا تزال تشكل الإطار الأنسب للحفاظ على الاستقرار الوطني.
"إن أي مساس بمعادلة المناصفة التي أرساها الاتفاق قد يدفع بعض القوى اللبنانية إلى طرح بدائل سياسية وإدارية، من بينها الفيدرالية أو صيغ أخرى تفتح الباب أمام مشاريع تقسيمية تهدد وحدة البلاد"، يؤكد الوزير السابق المشارك في الطائف، والاتفاق هذا يبقى الصيغة الوحيدة التي حظيت بإجماع مختلف المكونات السياسية اللبنانية، وجرى التوقيع عليها باعتبارها مشروعاً لمستقبل الدولة اللبنانية. إلا أن هذا المشروع، بحسب رأيه، تعرض للتشويه نتيجة التدخلات الإقليمية والصراعات التي انعكست على الساحة اللبنانية خلال العقود الماضية وفي مقدمها امتناع حزب الله عن تسليم سلاحه للدولة بعد انتهاء الحرب الأهلية، مدعوماً من دمشق وطهران اللتين تمسكتا باستمرار سلاح الحزب تحت عنوان "المقاومة" وتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، ولا سيما مزارع شبعا، ما أدى إلى نشوء واقع سياسي وأمني مختلف عما نص عليه الاتفاق، ومكّن هذا العنوان المكون الشيعي من تحقيق مكاسب سياسية وإدارية داخل الدولة، فيما بقي هذا الملف جزءاً من التوازنات الإقليمية المرتبطة بالمحور السوري ـ الإيراني.
اما المطالب التي يطرحها الحزب أو البيئة السياسية الحليفة في إطار أي نقاش حول مستقبل السلاح والدولة، اي تثبيت بعض المواقع الأساسية ضمن الحصة الشيعية في الإدارة اللبنانية، ومنها وزارة المال والمديرية العامة للأمن العام، واستحداث مواقع سياسية جديدة، من بينها منصب نائب لرئيس الجمهورية أو نائب لرئيس الحكومة بصلاحيات محددة، فيرفضها بالمطلق معظم اللبنانيين والقوى السياسية التي تعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لتطبيق بنود الطائف غير المنفذة بدلاً من البحث عن بدائل جديدة، وهو ما تراه صائباً عواصم غربية وعربية مؤثرة ومعنية بملف لبنان، كونه الإطار الدستوري والسياسي الأنسب للحفاظ على وحدة البلد واستقراره.
نجوى أبي حيدر - المركزية
