عربي ودولي

مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية: خطة أم مجرّد كسب للوقت؟



 

القراءة المتأنية لمذكرة التفاهم الموقّعة بين واشنطن وطهران تكشف أنها أقرب إلى رد فعل سريع منها إلى خطة استراتيجية متكاملة.

فالنص، بحسب مصدر ديبلوماسي، مرّ بثلاث محطات توقيع متتالية: إلكترونياً عن بُعد، ثم على نسخة ورقية في فرساي خلال عشاء جمع الرئيسين الأميركي دونالد ترامب ونظيره الفرنسي ايمانويل ماكرون، ثم رسمياً في جنيف، ما يعطي انطباعاً بأن الأولوية كانت لإيقاف التصعيد فوراً، على أن تُكتشف الاستراتيجية الفعلية في مراحل لاحقة. وهذا ما أكده ترامب نفسه حين وصف المذكرة بأنها لا ترقى إلى مستوى اتفاق نهائي، محذراً من إمكانية العودة إلى القصف إذا لم تُحقَّق نتائج مُرضية في المفاوضات المقبلة.

فتح المضيق أولاً... والتفاصيل لاحقاً

ويرى المصدر، عبر وكالة "أخبار اليوم" ان الرئيس الأميركي اراد فتح مضيق هرمز بأي ثمن تقريباً، وهذا ما حصل بالفعل: فتح جزئي فوري، يتبعه فتح كامل، مقابل تعهد إيراني بمرور بحري آمن ومجاني لستين يوما، واعطاء مهلة قصيرة نسبيا تترك الباب مفتوحاً أمام فرض رسوم أو قيود جديدة بعد انقضائها.

والأهم، يتابع المصدر، أن كبرى شركات الشحن العالمية، بحسب ما نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن جوتارو تامورا، الرئيس التنفيذي لشركة ميتسوي أو إس كيه لاينز (MOL) اليابانية التي تعد أكبر مشغل لناقلات النفط في العالم، ان شركته لن تستأنف عبورها للمضيق قبل أسابيع، إلى أن تتأكد أن الاتفاق مُطبَّق فعلياً على الأرض وليس مجرد تفاهم سياسي على الورق. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين التوقيع والتنفيذ.

لبنان: الاختبار الحقيقي للأجزاء المتحركة

على صعيد آخر، من بين كل "الأجزاء المتحركة" التي تجعل مسار المذكرة وعراً، يبرز الملف اللبناني كأوضح مثال.

ويقول المصدر الديبلوماسي عينه: النص يذكر لبنان من ضمن بنود إنهاء الحرب على كل الجبهات، وهو ما رحّب به رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، في حين ان حزب الله وعلى لسان امينه العام نعيم قاسم وصفه بـ "إنجاز كبير" يُحسب لإيران وحلفائها. لكن إسرائيل، على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو ووزير دفاعها يسرائيل كاتس، أعلنت صراحة أنها لا تعتبر نفسها ملزمة بالبند اللبناني، محتفظة بحقها في الرد على أي خرق، فيما استمر القصف فعلياً في جنوب لبنان حتى بعد الإعلان عن التفاهم.

ويضيف المصدر: هذا التناقض- ترحيب سياسي متزامن من الأطراف اللبنانية والإيرانية، في مواجهة رفض إسرائيلي علني للالتزام بالبند نفسه- يلخّص كيف يمكن لجزء واحد من الاتفاق أن يُعطّل مساره بالكامل، خاصة في غياب آلية تمويل واضحة لإعادة الإعمار التي قُدّرت كلفتها بعشرات المليارات.

شكوك من الداخل الأميركي

الى ذلك، رأى المصدر ان المذكرة لم تَلقَ قبولاً تاماً حتى داخل واشنطن. فقد عبّر بعض كبار الجمهوريين عن تخوفهم من وجود فجوة بين فهم طهران لبنود الالتزام وما يُسوَّق له من الفريق المفاوض، ودعوا إلى ضرورة الاطلاع على آليات تحقق واضحة من الالتزام الإيراني قبل أي تقدم في المسار، وهو تحفظ يعكس أن "الأجزاء المتحركة" لا تقتصر على الإقليم، بل تمتد إلى الداخل الأميركي نفسه.

مسرحية ذكية أم خطأ بحجم التاريخ؟

ويخلص المصدر الى اعتبار ان هذه العملية، يمكن أن تستمر لفترة طويلة. فمن زاوية، يمكن النظر إليها كخطوة محسوبة: إنجاز سياسي سريع يُسجَّل لترامب من خلال فتح مضيق حيوي وتعهد إيراني علني بعدم التسلح النووي وتراجع ملحوظ في أسعار النفط، مقابل التزامات أميركية محدودة، وترحيل التفاصيل الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة يمكن التحكم بتوقيتها.

ومن زاوية أخرى، قد تكون مقامرة محفوفة بالمخاطر: التوقيع على إطار عام غامض، قبل ترسيخ آليات تنفيذ فعلية أو ضمانات على الأرض، في وقت تتعارض فيه قراءة كل طرف لبنوده الأساسية، وهذا بالضبط ما يجعل الجواب على السؤال غير جاهز اليوم، ولكن لن يطول الوقت لمعرفة إن كانت هذه مسرحية سياسية ذكية، أم خطأ بأبعاد أسطورية.

 

رانيا شخطورة - اخبار اليوم