بقلم فادي شلهوب يوسف
في مشهد يعكس تحولًا جذريًا في مسار الأحداث في المنطقة، بدأت أفواج النازحين اللبنانيين تشق طريقها عائدة إلى الجنوب غداة التوصل إلى تفاهمات دولية لإنهاء النزاع.
لم تكن رحلة العودة إلى القرى الجنوبية مجرد عبور على الطرقات، بل هي "نبض حياة" يعيد الروح إلى القرى والبلدات التي عانت مرارة النزوح، حيث تدفقت قوافل العائدين متجاوزين كل الحواجز والتحذيرات ومصرّين على إعادة إعمار ما تهدّم، لتبقى الأرض عنوانًا للصمود في قرى تعرضت لدمار واسع.
إن عودة النازحين إلى جنوب لبنان مسألة تتجاوز الجانب الإنساني، فهي ترتبط بالأمن والإقتصاد وإعادة الإعمار والإستقرار الإجتماعي. ويمكن النظر إلى جدوى العودة من ثلاثة جوانب رئيسية:
أولًا: النتائج الإيجابية للعودة:
- إستعادة الحياة الطبيعية في القرى والبلدات الجنوبية، وإحياء النشاط الزراعي والتجاري والتعليمي.
- الحفاظ على الأرض والهوية المحلية إذ إن بقاء السكان في مناطقهم يعزز صمود المجتمع ويمنع تراجع الحياة الإقتصادية والإجتماعية.
- إعادة تنشيط الإقتصاد المحلي من خلال عودة اليد العاملة، وإعادة فتح المؤسسات والمتاجر والخدمات.
ثانيًا: التحديات والحلول المطلوبة:
لكي تكون العودة مستدامة وآمنة، لا بد من:
- ضمان استقرار أمني حقيقي ومنع تجدد المواجهات.
- تسريع عمليات إزالة الأنقاض ومعالجة مخلفات الحرب والأجسام غير المنفجرة.
- توفير تعويضات عادلة للمتضررين وإطلاق مشاريع إعادة إعمار المنازل والبنى التحتية.
- دعم القطاعات المنتجة ولا سيما الزراعة والمؤسسات الصغيرة لتأمين فرص عمل للسكان العائدين.
- تعزيز دور الدولة في الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وطبابة وتعليم.
لكن من الناحية الواقعية، فإن نجاح هذه العودة يعتمد على توافر ضمانات أمنية واضحة، ووجود إرادة سياسية داخلية، إضافة إلى دعم عربي ودولي لإعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية.
لذلك يمكن القول إن عودة النازحين إلى الجنوب هي ضرورة وطنية وإنسانية، لكنها تحتاج إلى مقومات الإستقرار والأمان والتنمية حتى تتحول من عودة مؤقتة إلى إستقرار دائم.
أما في حال غياب الحلول الفعلية لهذه العودة، بصورة آمنة ومستدامة، فإن التداعيات قد تكون عميقة وهدّامة وعلى عدة مستويات:
- استمرار النزوح وتفكك النسيج الإجتماعي: فبقاء العائلات بعيدًا عن قراها لفترات طويلة قد يؤدي إلى تغيرات ديموغرافية وإجتماعية، وإضعاف الروابط التي تجمع أبناء المناطق الجنوبية بأرضهم ومجتمعاتهم.
- تدهور إقتصادي متزايد: الأراضي الزراعية قد تبقى غير مستثمرة، والمؤسسات المحلية قد تتوقف أو تضعف، مما يزيد معدلات البطالة والفقر ويعمق الأزمة الإقتصادية في الجنوب وفي لبنان عمومًا.
- تراجع الخدمات والبنية المجتمعية: المدارس والمراكز الصحية والأنشطة الإقتصادية والإجتماعية قد تفقد دورها تدريجيًا في القرى التي لا يعود إليها سكانها، مما يجعل إعادة إحيائها أكثر صعوبة مع مرور الوقت وتعاقب الأيام.
- أعباء إضافية على المناطق المستضيفة: إستمرار النزوح يضغ ضغطًا أكبر على المدن والبلدات التي تستضيف النازحين، سواء من حيث فرص العمل أو الخدمات العامة أو البنية التحتية.
- آثار نفسية وإنسانية طويلة الأمد: الشعور بعدم الإستقرار وفقدان الأمان قد يترك آثارًا نفسية على الأفراد، ولا سيما الأطفال والشباب وذوي الإحتياجات الخاصة، ويؤثر في نظرتهم إلى المستقبل.
- مخاطر أمنية سياسية: غياب الحلول الناجعة قد يُبقي المنطقة في حالة من التوتر وعدم اليقين، ويجعل أي جهود للتنمية أو الإستثمار أكثر صعوبة.
أما الواقع الذي يطمح إليه معظم اللبنانيين وأهالي الجنوب، فهو أن تتحول العودة إلى مشروع استقرار دائم، يقوم على الأمن، وإعادة الإعمار، والتنمية الإقتصادية، بحيث يتمكن المواطنون من العيش في قراهم بكرامة وأمان، بعيدًا عن تكرار دورات النزوح وعدم الإستقرار، وبالتالي نأمل ألا تكون العودة للمجهول بل عودة حميدة يستأهلها أهل الجنوب وكل لبنان بعد هذا المخاض العسير..
والله ولي التوفيق
