محليات

الانفراج بدأ… المحروقات نحو مزيد من التراجع والمولدات والسلع تحت المجهر



تتجّه الأنظار في لبنان إلى أسعار المحروقات بإعتبارها أحد أبرز العوامل المؤثرّة في كلفة المعيشة والنشاط الاقتصادي، ولا سيّما بعد التراجع الذي سجلته أسعار النفط العالمية مع انحسار المخاوف المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة وعودة الأسواق إلى تسعير احتمالات استقرار الإمدادات. وقد بدأت هذه التطورات تنعكس تدريجيًا على أسعار المشتقات النفطية عالميًا، ما أعاد طرح السؤال حول مدى سرعة انتقال هذا التراجع إلى السوق اللبنانية.

مع بدء تسجيل انخفاضات في أسعار البنزين والمازوت محليًا، يبرز التساؤل الأساسي: هل نحن أمام مسار مستمرّ لتراجع أسعار المحروقات؟ ومتى يلمس المستهلك اللبناني فعليًا أثر هذا الانخفاض على كلفة الوقود والخدمات والسلع المرتبطة بالطاقة.

في هذا السياق، أشار رئيس نقابة أصحاب محطات المحروقات في لبنان جورج البراكس لـ "نداء الوطن"، إلى أن "المؤشرات الإيجابية المرتبطة بانخفاض أسعار المحروقات بدأت بالظهور منذ فترة، ولا سيما بالنسبة إلى مادة المازوت"، موضحًا أن "الأسواق بدأت تتفاعل مع احتمال التوصل إلى اتفاق جدي فور الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران".

وأوضح أن "أسعار المازوت بدأت بالتراجع منذ ذلك التاريخ، إذ انخفض سعر الصفيحة من نحو مليونين و497 ألف ليرة لبنانية، أي ما يُقارب 27 دولارًا، إلى حوالى مليونين و5 آلاف ليرة، أي نحو 22 دولارًا. أما بالنسبة إلى البنزين، فقد تأخرّ انعكاس التراجع على السوق اللبنانية، إلا أن الأسعار بدأت بالانخفاض اعتبارًا من 25 أيار، حيث تراجع سعر الصفيحة من مليونين و585 ألف ليرة، أي ما يوازي نحو 28 دولارًا، إلى حوالى مليونين و350 ألف ليرة، أي ما يقارب 26 دولارًا".

استمرار مسار التراجع

وأكد البراكس أن "مسار التراجع مرشح للاستمرار في ظل انخفاض أسعار النفط العالمية"، مشيرًا إلى أن "سعر برميل النفط تراجع إلى نحو 80 دولارًا، ما يفتح المجال أمام مزيد من الانخفاضات في أسعار المشتقات النفطية خلال الفترة المقبلة".

وشرح أن "جدول تركيب أسعار المحروقات في لبنان يُحتسب استنادًا إلى متوسط أسعار البورصات العالمية خلال الأيام الخمسة عشر السابقة"، لافتًا إلى أن "العامل الأساسي المؤثر في الأسعار حاليًا هو العامل الخارجي المرتبط بالأسواق العالمية، في حين يبقى العامل الداخلي محصورًا بسعر صرف الدولار. وبما أن سعر الصرف يشهد استقرارًا نسبيًا، فإن تأثيره على الأسعار يكاد يكون معدومًا في الوقت الراهن، ما يجعل حركة الأسعار مرتبطة بشكل شبه كامل بالتطورات العالمية بغض النظر عن الكميات المتوافرة في السوق المحلية".

ولفت إلى أن "أسعار المحروقات سجلت يوم الجمعة انخفاضًا إضافيًا بلغ نحو 38 ألف ليرة لصفيحة البنزين و41 ألف ليرة لصفيحة المازوت"، متوقعًا "استمرار هذا المسار خلال الجداول المقبلة".

عودة تدريجية

وفي ما يتعلق بإمكانية عودة الأسعار إلى المستويات التي كانت سائدة مطلع العام، رأى البراكس أن "الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت"، مذكّرًا بأن "سعر صفيحة البنزين كان يبلغ آنذاك نحو مليون و343 ألف ليرة". وأكد أن "العودة إلى تلك المستويات ممكنة تدريجيًا، لكنها تبقى مرتبطة باستمرار انخفاض أسعار النفط عالميًا".

وأشار إلى أن "غالبية التقارير الدولية تتوقع استمرار الضغوط النزولية على أسعار النفط، إلا أن ذلك لن يحصل بشكل فوري"، مضيفًا أنه "مع إعادة فتح مضيق هرمز وخروج حوالي مئات ناقلات النفط الراسية في الخليج العربي، فإن جزءًا من هذه الكميات سيتجه إلى الأسواق الاستهلاكية، فيما سيُخصّص جزء آخر لإعادة تكوين المخزونات الاستراتيجية التي استُخدمت خلال فترة التوترات والحرب".

ماذا عن كلفة المعيشة؟

وفي حين يركّز قطاع المحروقات على مسار الأسعار العالمية وانعكاسها المباشر على الجداول المحلية، تطرح الخبيرة في شؤون الطاقة والمياه كريستينا أبي حيدر السؤال الأهم: هل يتحوّل هذا الانخفاض إلى تحسّن ملموس في كلفة المعيشة.

ترى أبي حيدر أن "السوق اللبنانية ستبدأ اعتبارًا من مطلع الشهر المقبل بملامسة النتائج المباشرة لتراجع أسعار النفط العالمية، مع توقع انخفاض إضافي في أسعار المحروقات وتراجع جزء من الأكلاف التشغيلية المرتبطة بها". إلا أنها تعتبر أن "المعيار الحقيقي لقياس هذا التحسن يبقى في مدى انعكاسه على الأسعار التي يدفعها المواطن يوميًا، ولا سيما أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية الأساسية".

وتوضح أبي حيدر لـ "نداء الوطن"، أن "ارتفاع أسعار المحروقات خلال الأشهر الماضية دفع العديد من القطاعات إلى رفع أسعارها أو تعرفاتها، وفي مقدّمها أصحاب المولدات الخاصة الذين برّروا زياداتهم بارتفاع كلفة التشغيل. ومن هذا المنطلق، يفترض أن يفتح المسار النزولي لأسعار الطاقة الباب أمام إعادة النظر بهذه الأكلاف، بما يخفف جزءًا من الأعباء المالية التي ترزح تحتها الأسر اللبنانية".

وتلفت إلى أن "انخفاض كلفة المحروقات لا يقتصر أثره على قطاع الطاقة فحسب، بل يمتد إلى النقل والتوزيع والإنتاج، ما يفترض أن ينعكس تدريجيًا على أسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات. غير أن التجربة اللبنانية أظهرت مرارًا أن الأسواق تتجاوب سريعًا مع عوامل ارتفاع الأسعار، فيما تتباطأ عند تراجعها، ما يجعل الرقابة الرسمية عاملا أساسيًا لضمان انتقال مفاعيل الانخفاض إلى المستهلك النهائي".

وفي هذا السياق، تشدد أبي حيدر على "ضرورة قيام وزارة الاقتصاد والتجارة بدور رقابي فاعل لمواكبة المرحلة المقبلة، والتأكد من التزام المؤسسات والتجار بعكس تراجع الأكلاف على الأسعار، بما يضمن استفادة المواطنين من التحسن الحاصل في أسواق الطاقة العالمية".

ستشكّل المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا للأسواق والجهات الرقابية على حد سواء، فإما أن يُترجم تراجع الأكلاف إلى انخفاض ملموس في الأسعار يلمسه المستهلك في حياته اليومية، وإما أن يبقى محصورًا ضمن هوامش الأرباح، من دون أن يحقق الأثر الاقتصادي والاجتماعي.

المصدر: نداء الوطن

الكاتب: رماح هاشم