بقلم حبيب عبود
في عالم أصبحت فيه المعرفة المورد الأكثر قيمة، لم تعد ثروة الأمم تقاس بما تختزنه باطن الأرض من نفط أو معادن، بل بما تمتلكه من عقول قادرة على الابتكار والإنتاج وصناعة المستقبل. وإذا كان لبنان قد افتقر تاريخياً إلى الموارد الطبيعية، فقد عوّض ذلك بثروة بشرية استثنائية صنعت نجاحات لافتة في الطب والهندسة والمال والتكنولوجيا وريادة الأعمال على امتداد العالم. إلا أن هذه الثروة تواجه اليوم أخطر تحدياتها، حيث تتضافر ثلاثة عوامل رئيسية لتقويضها: هجرة العقول، وعدم مواءمة التعليم مع سوق العمل، وضعف المشاركة الاقتصادية.
لقد تحولت الهجرة في لبنان من خيار فردي إلى ظاهرة جماعية. فالشباب المتخرجون، والأطباء، والمهندسون، والمبرمجون، والباحثون، ينظرون إلى الخارج باعتباره المكان الوحيد الذي يوفر الاستقرار وفرص النمو المهني. والنتيجة أن الدولة تستثمر في تعليم كفاءات عالية، بينما تجني الاقتصادات الأجنبية ثمار هذا الاستثمار، في واحدة من أكبر عمليات نزف رأس المال البشري في المنطقة.
ويزداد هذا الواقع تعقيداً بسبب الفجوة المتنامية بين النظام التعليمي واحتياجات الاقتصاد الحديث. فما زالت الجامعات تخرّج أعداداً كبيرة في تخصصات تقليدية مشبعة، في حين يشهد العالم طلباً متزايداً على مهارات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة المشاريع، والاقتصاد الرقمي. وبدلاً من أن يكون التعليم محركاً للتنمية، أصبح في كثير من الأحيان منتجاً لبطالة مقنعة أو لهجرة شبه حتمية.
أما ضعف المشاركة الاقتصادية، فيعكس هدراً إضافياً للطاقات الوطنية. فهناك آلاف النساء والشباب وأصحاب الخبرات الذين يقفون خارج دائرة الإنتاج بسبب ضعف فرص العمل، وغياب الحوافز، وتراجع الاستثمار، وهيمنة الاقتصاد غير المنظم. ويؤدي هذا الواقع إلى انخفاض الإنتاجية الوطنية وتآكل الطبقة الوسطى وازدياد الاعتماد على التحويلات المالية القادمة من اللبنانيين المنتشرين في الخارج.
ورغم صعوبة الظروف، فإن الحلول ليست مستحيلة إذا أحسن لبنان استثمار إمكاناته الحالية. فمن الممكن إعادة توجيه المناهج التعليمية نحو المهارات الرقمية واللغات وريادة الأعمال، وتعزيز الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص لضمان مواءمة أفضل بين التعليم وسوق العمل. كما يمكن تشجيع العمل عن بُعد وتصدير الخدمات الرقمية، بما يسمح للشباب بالعمل مع شركات عالمية من داخل لبنان دون الحاجة إلى الهجرة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي إطلاق برامج وطنية لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتبسيط إجراءات تأسيس الأعمال، وتحفيز الاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، إضافة إلى الاستفادة من شبكة الانتشار اللبناني العالمية عبر نقل الخبرات والاستثمارات والمعرفة، وليس فقط التحويلات المالية.
إن الأزمة الحقيقية التي يعيشها لبنان ليست نقصاً في الكفاءات، بل عجزاً عن الاحتفاظ بها وتوظيفها. فالمشكلة لا تكمن في الإنسان اللبناني، الذي أثبت نجاحه في مختلف أنحاء العالم، بل في البيئة الاقتصادية والمؤسساتية التي تدفعه إلى البحث عن مستقبله خارج وطنه. وإذا كان استرجاع الاستقرار السياسي يحتاج إلى توافقات معقدة، فإن الاستثمار في رأس المال البشري يمكن أن يبدأ فوراً عبر إصلاحات عملية ومتدرجة ضمن الإمكانات المتاحة.
إن مستقبل لبنان لن يصنعه النفط ولا المساعدات الخارجية، بل سيصنعه الإنسان اللبناني عندما تتحول كفاءته من سلعة تصدّر إلى الخارج إلى قوة إنتاج تبني الاقتصاد الوطني وتعيد للدولة دورها التنموي. فالحفاظ على العقول واستثمارها لم يعد خياراً سياسياً أو اقتصادياً فحسب، بل أصبح شرطاً أساسياً لبقاء لبنان قادراً على المنافسة والحياة في عالم يقوم على المعرفة والابتكار.
