كتب أنطوان فرح في “نداء الوطن“:
قد يعتبر البعض أن القرار المبرم الصادر عن مجلس شورى الدولة في موضوع منع شطب الودائع بالمواربة، من خلال الغاء ديون مصرف لبنان، مجرد قرار اضافي وتحصيل حاصل من حيث تأكيد المؤكّد. بمعنى انه سبق لمجلس الشورى ان أصدر قراراً في العام 2024، منع بموجبه الحكومة من شطب ودائع المصارف لدى المركزي، استناداً الى حقيقة أن ذلك هو بمثابة شطب لأموال المودعين. وما حصل حالياً، ان مجلس الشورى رفض طعن الحكومة بهدف إعادة المحاكمة وتغيير القرار، وثبّت قراره الأول وصار مبرماً وغير قابل للطعن.هذا التوصيف يستطيع أن يختصر ما حصل في هذا الملف. لكن الاكتفاء بالعناوين لا يُعبّر في الحقيقة عن “السفالة” التي تجلّت لدى الدولة ممثلة بسلطتها السياسية آنذاك. ولا يحتاج المواطن الى قراءة حيثيات الدعوى التي رفعتها المصارف ضد الشطب لكي يكتشف كيف تتصرف الدولة حيال حقوق المودعين، بل يكفي أن يقرأ أي مواطن حيثيات وتفاصيل الدفاع الذي قدمته الدولة لمجلس الشورى، في محاولة لمنع إسقاط قرارها، لكي يدرك مع اية “دولة” نتعامل منذ ما قبل الانهيار، وربما حتى اليوم.
في هذا السياق، برّرت الدولة ما قامت به لجهة شطب الودائع لدى مصرف لبنان، بأن قرارها غير مُلزم، ولم تصدر مراسيم تطبيقية بتنفيذه، وانه لا يصبح نافذاً سوى اذا وافق عليه مجلس النواب وأقره بقانون. وجاء في متن طلب الدفاع، ان ما جرى يعتبر بمثابة اعلان نوايا، وليس قراراً مبرماً لكي يوقفه القضاء!
هذه النقطة لوحدها تكفي وتبرّر استعمال كلمة “سفالة” في توصيف سلوك الدولة. وهل اسوأ من أن يشعر المواطن ان الدولة المسؤولة عنه وعن مصير البلد، تحاول ان تبرّر نفسها قضائياً، من خلال القول انها بقرار شطب حقوق الناس، انما كانت تعلن عن نواياها فقط، ولم يصل الأمر الى حد التنفيذ؟ وعدم الوصول الى مرحلة التنفيذ ليس لأن الدولة قد تبدّل رأيها وتتراجع عن محاولة تشريع السرقة، بل فقط لأنها لا تستطيع أن تنفّذ من دون تشريع من قبل مجلس النواب.
يا سيادة الدولة، اعلان النوايا هذا الذي تحدثت عنه يكفي لادانتك امام الناس، قبل ادانتك امام القضاء. وحتى لو منع القضاء عنك المحاكمة، بسبب هذا التبرير الذي تقدمت به للدفاع عن نفسك، وهو لم يفعل، من كان سيبرئك امام مواطنيك، بعدما جاهرت بنواياك حيال حقوقهم؟ انه عذر أبشع من ذنب، ويدين الدولة بلسانها.
كل ما ورد في الدفاع الذي تقدمت به الدولة الى مجلس الشورى هو بمثابة مضبطة اتهام في حق الدولة. وحتى دفاعها عن حقها في شطب الديون، استناداً الى مفهوم قوانين الكابيتال كونترول المُعترف بها في النظام العالمي، يشكّل ادانة لها، لأنها تستند الى قانون لم تقره، ولو فعلت لخفّفت من وطأة الانهيار.
وأخيراً، لا بد من التنويه بالوضوح الذي اعتمده مجلس الشورى في رده طلب الدولة، خصوصاً لجهة استخدامه عبارة أزمة نظامية، في معرض توصيفه للنتائج التي قد تنتج عن قراره المبرم.
دفاع الدولة الذي أسقطه مجلس الشورى، يشكّل في حد ذاته إدانة لخطيئة لا تُغتفر. ونصيحة لكل اللبنانيين، أن يقرأوا حيثيات قرار مجلس الشورى لكي يدركوا الحقائق ونوايا دولتهم، وهذا هو الأخطر.

