تمكّنت إيران عبر التهديدات التي أطلقتها خلال الأيام القليلة الماضية من دفع الولايات المتحدة إلى ممارسة أقصى أنواع الضغوط على إسرائيل بغرض إنهاء عملياتها العسكرية الهجومية في لبنان. فما الذي يحصل، وهل سيصمد وقف النار هذه المرة؟
من المعروف أن الأميركيين على موعد مع انتخابات التجديد النصفي في الثالث من تشرين الثاني المقبل. وبحسب أحدث استطلاعات الرأي، فإن الديمقراطيين هم الأوفر حظاً لاستعادة الأغلبية في مجلس النواب، مع وجود فرصة جدية لسيطرتهم على مجلس الشيوخ أيضاً في حال استمرت اتجاهات التصويت الحالية. وليس سراً أن الرئيس دونالد ترامب سيحاول المستحيل لمنع ذلك مهما كلّف الأمر.
وفي هذا السياق، وبعد أن قدّم ترامب تنازلات كبرى لصالح إيران في "مذكرة التفاهم" التي وقّعها الطرفان، يمارس اليوم ضغوطاً غير مسبوقة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف النار في لبنان تنفيذاً لشرط إيراني. وكل ما يريده ترامب في هذه المرحلة يتلخّص في مواصلة تدفق عمليات نقل النفط عبر مضيق هرمز، وبالتالي استمرار انخفاض أسعار الطاقة عالمياً وداخل الولايات المتحدة. ويأمل أن يؤدي تحسّن الوضع الاقتصادي الداخلي وتراجع نسب التضخم والغلاء إلى إرضاء الناخبين الأميركيين وتقليص الهوّة الانتخابية المائلة حالياً لصالح الحزب الديمقراطي.
وانطلاقاً من ذلك، لم يتردد ترامب في التضحية بحليفه المفترض نتنياهو عبر فرض وقف شامل للنار عليه، في محاولة لإنقاذ نفسه وتعويم الحزب الجمهوري انتخابياً. وبالتأكيد، فإن انعكاسات هذه السياسة وخيمة على رئيس الوزراء الإسرائيلي على الصعيدين الشخصي والحزبي. وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن نتنياهو على أبواب انتخابات تشريعية مبكرة ستُنظَّم في إسرائيل خلال الأشهر القليلة المقبلة. وبحسب أحدث استطلاعات الرأي، لن يتمكن حزب الليكود بزعامته والأحزاب اليمينية والدينية المتحالفة معه من نيل عدد مقاعد كافٍ لتشكيل الحكومة المقبلة. وقد جاء القرار الأميركي بفرض وقف النار على إسرائيل ليُضعف أكثر مكانة الائتلاف الحكومي القائم، مع تسجيل ارتفاع في حظوظ قوى المعارضة للفوز في الانتخابات المقبلة.
وبالتالي، صحيح أن ترامب يريد التوصل إلى تفاهم مع إيران بأي ثمن عبر الإذعان لشروطها، محاولةً منه لإنقاذ نفسه وحزبه في الانتخابات النصفية المقبلة، حتى لو تسبّب ذلك بإغراق نتنياهو وحزبه وائتلافه الحكومي بأسره. والأصحّ أن هذا الأخير لم يعد يملك ما يخسره! من هنا، ثمة تحليلات عدة تؤكد أن رئيس الحكومة الإسرائيلية سيعمل على التملّص من الضغوط الأميركية عاجلاً أم آجلاً، وأن امتثاله لطلبات ترامب ظرفيٌّ ومشروط بمطالب عدة جرى نسجها من تحت الطاولة.
وفي المعلومات المتاحة، أن الإسرائيليين مصرّون على اتخاذ إجراءات ملموسة لإبعاد مقاتلي "حزب الله" عن الحدود، إما عبر تدابير ميدانية حازمة يتّخذها الجيش اللبناني في حال التوصل لاتفاق خلال المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المباشرة، أو من خلال تسوية يرسمها الجانبان الأميركي والإيراني بالتفاوض وتنصّ على إنهاء الحالة القتالية ضد إسرائيل. وفي حال عدم إحراز أي تقدّم على أحد هذين المسارين، فإن الأمور مرشّحة للعودة إلى التدهور. ولن يرضخ نتنياهو لوقف النار إلى أجل غير مسمى إن لم تُعالَج مخاوفه الأمنية الحدودية، وسيُفجّر الوضع من جديد لأن البديل هو خسارته الحتمية في الانتخابات وخروجه من الحياة السياسية وفشله في التهرّب من المحاكمة التي ستقوده إلى السجن.
في الختام، الساعات والأيام القليلة المقبلة حاسمة في تحديد مجريات الأمور سلبًا أم إيجابا بالنسبة إلى وقف النار في لبنان؛ فمخرجات مفاوضات سويسرا وواشنطن ستترك أثرها الكبير على الحرب في الجنوب. والأكيد أن الملفات الشائكة على مستوى المنطقة لم تبلغ خلاصاتها بعد، ولبنان على موعد مع مخاض طويل قبل استتباب الأمن وعودة الاستقرار الشامل والمستدام.
ناجي البستاني -النشرة
