بعدما تراجعت خلال الساعات الأخيرة حدة الأعمال الحربية جنوباً، ظل السؤال المحوري: هل يمكن أن تكون إسرائيل قد صرفت النظر عن هدف السيطرة على تلة علي الطاهر الإستراتيجية؟
قبل أسابيع، كان للخبير الإستراتيجي اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي تقدير فحواه أن "الهدف الأقصى لهذا الهجوم السيطرة على تلة علي الطاهر والتلال المتصلة والمكملة، أي الدبشة والطرة وكفرتبنيت وصولاً إلى سجد والريحان، في الطريق إلى إحكام السيطرة على مرتفعات إقليم التفاح بما فيها معلم مليتا، انطلاقاً من اعتبارين: الأول عسكري عبر السيطرة على القاعدة النارية الاكبر لـ"حزب الله" التي تتوارى على سطح تلك المرتفعات وفي باطنها. والثاني معنوي، يتمثل في رفع العلم الإسرائيلي على معلم مليتا الذي جعله الحزب معلماً يضم غنائمه الحربية".
وعلى رغم أن إسرائيل تعمدت منذ بدء هجومها ألا تفصح عن مقاصدها، كانت الحركة الميدانية لوحداتها توحي بأنها زاحفة لبلوغ هذا الهدف.
ويضيف شحيتلي: "من هنا كان الاحتفاء الإسرائيلي باحتلال قلعة الشقيف ومن ثم بلوغها كفرتبنيت على تخوم تلة علي الطاهر".
هدف شبه يومي
في المعلومات العسكرية، أن تلة علي الطاهر التي شنت إسرائيل إلى الأمس القريب 6 هجمات لاحتلالها وتكبدت خسائر اعترفت بها، كانت تخضع للسيطرة الإسرائيلية حتى غداة انسحابها من الجنوب عام 2000، وكانت هدفا شبه يومي لـ"حزب الله" الذي خسر عشرات المقاتلين وهم يسعون إلى تحريرها، لكونها مصدر خطر عليهم وعلى النبطية وقراها. ومعلوم أن التلة تعلو نحو 700متر عن سطح البحر، أي أنها أعلى من قلعة الشقيف بنحو مئة متر، وتتحكم في معبر الخردلي، وتشرف على مرتفعات إقليم التفاح من جهة والنبطية وقراها من جهة أخرى.
وبناء على تلك الوقائع الإستراتيجية، تحوّل الحزب في مرحلة ما بعد التحرير عام 2000 من قلعة الشقيف وتلة علي الطاهر وما يتصل بهما من تلال وصولاً إلى مرتفعات إقليم التفاح وقسم من مرتفعات جزين والبقاع الغربي، إلى مواقع حصينة، خصوصاً أنها تقع في منطقة حرجية وخالية تقريباً من التجمعات السكانية، فضلاً عن أن لها مداخل متعددة مما يحول دون محاصرتها.
ويُذكر أن الحزب نفذ أول عرض عسكري رمزي له في هذه المنطقة، إذ استدعى عام 2022 نحو مئتي إعلامي محلي وخارجي لينظم أمامهم عرضاً لمقاتليه في معسكر مكشوف هناك، عُدّ حينها تحدياً لإسرائيل، وعدّته هي بمثابة إعلان حرب عليها، ولم يطل الوقت حتى صدقت توقعاتها.
نشاط غير عادي
ليس خافياً أنه في الفترة التي تلت اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، ركزت إسرائيل غارات طيرانها ومسيّراتها على تلك البقعة الممتدة من قلعة الشقيف وتلة علي الطاهر وصولا إلى مرتفعات إقليم التفاح، وكانت ترصد نشاطاً عسكرياً غير عادي لمقاتلي الحزب، مقروناً بمعلومات نشرتها هي، تفيد أن الحزب أعدّ ثلاث وحدات عسكرية جديدة لتكون بديلاً من "قوة الرضوان" التي تلقت ضربات إبان حرب لإسناد غزة، وهي وحدات "بدر" و"نصر" و"عزيز ".
هل توقف إسرائيل محاولاتها للسيطرة على تلة علي الطاهر التزاماً منها لوقف النار المعلن؟
يجيب شحيتلي: "من البداية كان تقديرنا المعلن أن إسرائيل ماضية إلى بسط سيطرتها على تلك المنطقة وصولاً إلى مرتفعات إقليم التفاح، وكان أمامها طريقان، إما إنزالات من الجو، وهذه مكلفة، وإما زحف بري، وواضح أنها اختارت الطريق الثاني الأبطأ، ولكن الأقل كلفة.
ويمضي شحيتلي في تقديره ليضيف: "إسرائيل لن توقف هجومها إلا إذا كانت حصلت على تعهدات أميركية بأن هناك صفقة كبرى تضمن لها ما تريده على المدى البعيد، ويكون هنا لـ الجيش اللبناني دوره، أو أنها أوقفت هجومها في انتظار فرصة مؤاتية، خصوصا أنها أعلنت إحكام حصارها على تلة علي الطاهر والأنفاق في داخلها، حيث يتحصن مقاتلو الحزب، وأنا هنا أحذر من أن تكون إسرائيل تبيّت خطة مباغتة تتمكن فيها من اقتناص السيطرة على تلك التلة، على غرار ما فعلته يوم دخلت قواتها بيروت وارتكبت مجزرة صبرا وشاتيلا، فيما كات المعطيات توحي بالهدوء".

