محليات

"لبنان ليس سوى البداية".. يديعوت احرونوت: الانتصار الحقيقي لإيران تقييد حركة إسرائيل



بينما تواصل إيران مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، تستخدم في الوقت نفسه ذراعها الإقليمي، حزب الله، لزيادة الضغط على إسرائيل في جنوب لبنان. ومن خلال هذا المسار المزدوج، تسعى طهران إلى اختبار مدى قدرة واشنطن على التأثير في سياسات حليفتها الإسرائيلية، وإلى فرض وقائع ميدانية جديدة تحدّ من حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، بحسب ما ذكرت صحيفة "يديعوت احرونوت"

 
اضافت: بالنسبة لإيران، إنها مفاوضات تُدار تحت النار. فبينما يجلس المفاوضون إلى طاولة الحوار، يتحرك حزب الله على الأرض لمحاولة استنزاف القوات الإسرائيلية ودفعها نحو الانسحاب. ويبقى السؤال المطروح: هل ستنتهي هذه المعادلة بانهيار المفاوضات وعودة المواجهة العسكرية، أم بانسحاب إسرائيلي، أم بتسوية تبقي إسرائيل في مواقعها الخمسة الواقعة خلف السياج الحدودي والتي تمركزت فيها بعد عملية «سهام الشمال» عام 2024؟
 
غير أن لبنان، وفق هذا المنظور، ليس سوى البداية. فإذا ترسّخ هذا النهج، فقد تمتد المطالب لاحقًا إلى فرض وقف لإطلاق النار في غزة، ثم إلى تقييد النشاط العسكريالإسرائيلي في الضفة الغربية. وفي بيئة الشرق الأوسط، غالبًا ما يتحول التنازل عن حرية العمل إلى سابقة يصعب التراجع عنها. وهذا تحديدًا ما تعتبره إيران إنجازًا استراتيجيًا طويل الأمد.
 
وتابعت الصحيفة: لقد حاولت إسرائيل فصل الساحة اللبنانية عن النفوذ الإيراني، لكنها لم تنجح. في المقابل، تعمل إيران على تعميق الفجوة بين إسرائيل والولايات المتحدة، وتبدو أكثر نجاحًا في هذا المسعى مع مرور الوقت.
 
وتشير تقارير ميدانية إلى أن الجيش الإسرائيلي تلقى تعليمات بتقييد استخدام القوة في بعض المناطق الحساسة جنوب لبنان، بما في ذلك محيط تبنين، التي تُعد إحدى أهم مناطق نفوذ حزب الله. وقد أدى ذلك إلى تصاعد حالة الإحباط بين الجنود العاملين في المنطقة الأمنية، حيث يصف بعضهم واقع العمليات بأنه قتال في بيئة شديدة الخطورة مع هامش مناورة محدود للغاية.
 
وبحسب مصادر مطلعة، فإن القوات المنتشرة بين الحدود ونهر الليطاني لا تملك صلاحية تنفيذ ضربات استباقية واسعة، ويقتصر دورها في الغالب على التعامل مع التهديدات المباشرة. وفي ظل هذه القيود، تجد المؤسسة العسكرية صعوبة في توظيف تفوقها العملياتي والاستخباراتي الكامل في مواجهة تنظيم يعتمد على تكتيكات حرب العصابات والاستنزاف.
وبحسب الصحيفة تتجاوز المشكلة حدود الإحباط الميداني. فحين يُطلب من جيش أن يخوض معركة طويلة الأمد تحت قيود عملياتية صارمة، تتراجع قدرته على استثمار مزاياه العسكرية بالشكل الأمثل. ويرى منتقدو السياسة الحالية أن هذا الواقع أتاح لإيران وحزب الله فرصة لإعادة بناء جزء من قدراتهما تدريجيًا، في إطار استراتيجية استنزاف طويلة المدى تستهدف إسرائيل.
 
كما يعتبر هؤلاء أن المفاوضات التي قادتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع طهران ساهمت في تقليص أثر الإنجازات العسكرية التي حققتها إسرائيل والولايات المتحدة، وأرسلت رسالة مفادها أن إسرائيل لم تعد تتمتع بهامش الحركة نفسه الذي كانت تملكه في السابق.
 
ومن وجهة النظر هذه، فإن النتيجة المباشرة تتمثل في تآكل قوة الردع الإسرائيلية. فبينما كانت الضربات في بيروت أو في عمق الأراضي اللبنانية تُعد خيارًا مطروحًا في السابق، أصبحت إسرائيل اليوم تعمل ضمن قيود مشددة حتى في جنوب لبنان. وهي رسالة التقطتها القوى الإقليمية المختلفة، من إيران ووكلائها إلى تركيا والتنظيمات المسلحة في الضفة الغربية.
 
ويرى أصحاب هذا التقدير أيضًا أن السياسة الأميركية الحالية عززت بصورة غير مباشرة نفوذ إيران داخل لبنان عبر حزب الله، على حساب القوى اللبنانية الأكثر اعتدالًا، بما في ذلك الجهات الرسمية المنخرطة في مسارات تفاوضية مع إسرائيل.
وتواجه إسرائيل، وفق هذا التقييم، تحديًا استراتيجيًا حقيقيًا يتمثل في تآكل الردع على مختلف الجبهات. واستعادة هذا الردع قد تتطلب عملية عسكرية نوعية تُظهر تفوقًا استخباراتيًا وعملياتيًا واضحًا، على أن تُستثمر نتائجها سياسيًا ودبلوماسيًا بدل إهدارها في تسويات تُضعف أثرها.
 
وفي الوقت نفسه، تفرض المتغيرات الحالية إعادة النظر في بنية القوة العسكرية الإسرائيلية. فهناك حاجة متزايدة إلى توسيع حجم الجيش، وتعزيز قدرات التصنيع العسكري المحلي، وتقليص الاعتماد على منظومات السلاح الأميركية.
 
ولا يعني ذلك التخلي عن التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، بل بناء قدر أكبر من الاستقلالية يسمح لإسرائيل بالحفاظ على حرية القرار والعمل حتى في فترات التباين السياسي مع الإدارة الأميركية.
 
ويعكس خطاب عدد من كبار المسؤولين الأميركيين، بمن فيهم نائب الرئيس جي دي فانس، توجّهًا متناميًا يدعو الحلفاء إلى تحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع عن أنفسهم. ومن هذا المنطلق، لم يعد تعزيز القدرات العسكرية المستقلة ترفًا بالنسبة لإسرائيل، بل أصبح ضرورة استراتيجية.
وعليه يجد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه اليوم أمام قرار بالغ التعقيد، إلا أن أسوأ الخيارات، بحسب هذا الطرح، هو الإبقاء على الوضع الراهن. فاستمرار القتال دون هدف سياسي أو عسكري واضح يفرض كلفة يومية متزايدة على القوات المنتشرة في الميدان من دون تحقيق تغيير استراتيجي ملموس.
 
عمليًا، تواجه إسرائيل خيارين رئيسيين: الأول يتمثل في رفع القيود المفروضة على الجيش والسماح له باستخدام قوة أوسع، مع ما يحمله ذلك من مخاطر التصعيد الإقليمي، وربما الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران في ظل دعم أميركي غير مضمون بالكامل.
 
أما الخيار الثاني، فهو إعادة انتشار القوات والانسحاب إلى خط دفاعي جديد يتيح إعادة تنظيم الصفوف والاستعداد لعمليات مستقبلية في ظروف أكثر ملاءمة. غير أن مثل هذه الخطوة قد تُفسَّر في الشرق الأوسط باعتبارها مؤشرًا على الضعف أو اعترافًا بالفشل، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات سياسية وأمنية.
 
وفي الحالتين، يبقى على القيادة السياسية الإسرائيلية أن تدرك أن الامتناع عن اتخاذ القرار هو بحد ذاته قرار، وربما يكون الأكثر كلفة بين كل الخيارات المتاحة.