أثار التحرك النيابي الذي يقوم به نواب "القوات اللبنانية" وعدد من حلفائهم والمتعلق بالمطالبة بعدم تحميل الدولة اللبنانية أي أعباء مالية مرتبطة بالتعويضات، جدلاً سياسياً واخلاقيا وسيادياً، ليس بسبب خلفياته السياسية أو استناده على دور "حزب الله" في الحرب الأخيرة أو في ما سُمي ب"حرب الإسناد"،بل أيضاً بسبب الإشكالية التي يفتحها على مستوى مفهوم الدولة ودورها السيادي.
فعلى الرغم من أن النقاش حول سلاح "حزب الله" وموقعه السياسي لا يزال محور انقسام داخلي، إلا أن جوهر الطرح الذي يقدمه بعض النواب اليوم يتجاوز هذا الملف ليطال مبدأ أساسياً، وهو مسؤولية الدولة عن حقوق مواطنيها وواجبها في متابعة أي مسار قانوني يهدف إلى التعويض عن الأضرار. وهنا يبرز التناقض بين خطاب هؤلاء النواب تحديدا الذي يؤكد في العلن على احتكار الدولة للقرار السيادي، وبين مقاربة قد تؤدي عملياً إلى إعفاء الدولة من دورها في المطالبة بالحقوق أو حمايتها.
من جهة ثانية، يذهب هذا الطرح ضمنياً إلى تحميل مسؤولية الدمار الذي لحق بلبنان إلى أطراف محددة مثل ايران وحزب الله، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في حين أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن إسرائيل هي الطرف الذي نفذ عمليات التدمير الواسع في مختلف المناطق المتضررة. وبمعزل عن الموقف من إيران ودورها الإقليمي أو طبيعة نفوذها في لبنان، يبقى السؤال مطروحاً حول سبب غياب أي مطالبة جدية بمحاسبة إسرائيل أو إلزامها بدفع تعويضات عن الأضرار، إذا كان الهدف فعلاً هو حماية حقوق الدولة اللبنانية لا تسجيل مواقف سياسية.
وفي بعد ثالث، يرفع هؤلاء النواب شعار تحرير الطائفة الشيعية من النفوذ الإيراني، لكن الخطاب السياسي الذي يرافق هذا التحرك اليوم قد يؤدي عملياً إلى نتيجة معاكسة، إذ يساهم في تعميق الشعور الانتماء السياسي لدى هذه الشريحة لايران، ويزيد من ابتعادها عن مؤسسات الدولة بدلاً من تعزيز اندماجها فيها. وهذا التناقض بين الهدف المعلن والنتائج المحتملة يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذا النهج السياسي.
أما النقطة الرابعة فتتعلق بالثقة بالدولة نفسها. فإذا كانت الدولة، وفق هذا الطرح، غير قادرة أو غير راغبة في لعب دور فعّال في ملف إعادة الإعمار في الجنوب، فإن ذلك يطرح إشكالية أعمق تتعلق بقدرتها على تأمين الحد الأدنى من الحماية والدفاع. وفي هذه الحالة، يصبح من الطبيعي أن تتراجع ثقة المواطنين، خصوصاً في المناطق المتضررة، بقدرة الدولة على القيام بواجباتها الأساسية، بما في ذلك مسؤولية الدفاع عنهم وحماية مصالحهم.
المصدر: خاص "لبنان 24"

