المجتمع الدولي لا ينتظر من إيران إدارة لبنان، بل ينتظر منها رفع يدها عنه والمساعدة على إنهاء البنية العسكرية والسياسية التي يمثّلها الحزب كأداة إقليمية مرتبطة بمشروعها.
كتب أسعد بشارة لـ”هنا لبنان”:
تتصرّف إيران في الملف اللبناني وكأنّ الزمن لم يتغيّر، وكأنّها ما زالت قادرة على انتزاع القرار الوطني من مؤسّسات الدولة وإدارة التفاوض باسم لبنان أو من فوق رأسه. لكن ما يبدو واضحًا اليوم أنّ طهران تقرأ المشهد اللبناني والإقليمي بعين الماضي، فيما تتبدّل الوقائع السياسية والاستراتيجية من حولها بسرعة كبيرة.
المحاولة الإيرانية الرّاهنة تقوم على هدف واحد: منع الدولة اللبنانية من الإمساك الكامل بورقة التفاوض المتعلّقة بمستقبل الجنوب والسلاح والحدود والترتيبات الأمنية. ولذلك، تسعى طهران إلى إبقاء أوراق الضغط في يدها عبر الإصرار على ربط لبنان بمصالحها الإقليمية وحساباتها التفاوضية مع الولايات المتحدة. غير أنّ هذه المحاولة تصطدم بحقيقة جديدة لم تعد قابلةً للتجاهل.
الدولة اللبنانية اليوم أقوى ممّا يتصور الإيرانيون. قد تكون مثقلةً بالأزمات الاقتصادية والسياسية، لكنّها تملك الشرعيّة التي يحتاجها المجتمع الدولي، وتملك الاعتراف الذي لا يستطيع أي طرف آخر أن يحظى به. والأهم أنّ القرار الدولي، وفي مقدمته القرار الأميركي، حسم مسألة أساسيّة تتمثّل في التعامل مع لبنان بوصفه دولة مستقلة ذات سيادة، لا بوصفه ساحة إيرانية أو صندوق بريد إقليميًّا.
من هنا تبدو كل محاولات تركيب وصاية إيرانية جديدة على لبنان محاولات ساقطة سياسيًا وعمليًّا. فالإدارة الأميركية تتعامل مع الدولة اللبنانية ومؤسّساتها الشرعية حصرًا، وأي تفاوض يتعلق بمستقبل لبنان يجري مع الدولة اللبنانية وليس مع أي تنظيم مسلّح أو جهة خارجية. هذا التحوّل ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس قناعةً دوليةً راسخةً بأنّ استقرار لبنان يبدأ من استعادة الدولة لقرارها الكامل.
أمّا الرهان الإيراني على الاحتفاظ بالورقة اللبنانية لتعويض خسائر أو انتكاسات إقليمية، فيصطدم أيضًا بواقعٍ جديدٍ. فالمطلوب من طهران في هذه المرحلة ليس توسيع نفوذها في لبنان، بل المساهمة في تفكيك أسباب الأزمة التي أنتجتها سنوات النفوذ والسلاح الخارج عن سلطة الدولة. وبعبارة أوضح، فإنّ المجتمع الدولي لا ينتظر من إيران إدارة لبنان، بل ينتظر منها رفع يدها عنه والمساعدة على إنهاء البنية العسكرية والسياسية التي يمثّلها حزب الله كأداة إقليمية مرتبطة بمشروعها.
بين البهورة الإيرانية والوقائع الجديدة، يبقى الثّابت أنّ لبنان ليس جائزة ترضية لأحد، ولا ورقة تفاوض على طاولة الآخرين. إنّه دولة مستقلة، وكلّما حاولت طهران انتزاع هذا الواقع، ازدادت قوّة الدولة اللبنانية وثبات شرعيّتها في الداخل والخارج.

