لا تواجه كندا خطرًا صادرًا من الجالية الإيرانية، التي كان كثير من أفرادها أول ضحايا النظام، بل من أجهزة أمنية وشبكات مرتبطة بطهران قادرة على المراقبة والترهيب والاختراق الإلكتروني، وأحيانًا التخطيط للعنف بواسطة جماعات إجرامية محلية ودولية.
بعد انتهاء المواجهة العسكرية الواسعة وبدء المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، قد يبدو أن الخطر الإيراني على كندا تراجع تلقائيًا. غير أن الملفات الأمنية لا تُغلق بالسرعة نفسها التي تُوقّع فيها الاتفاقات السياسية. فالشبكات السرية، والوسطاء، والحسابات الإلكترونية، والعلاقات مع الجريمة المنظمة، يمكن أن تبقى ناشطة حتى عندما تهدأ الجبهات.
في العاشر من حزيران/يونيو 2026، انضمت كندا إلى 21 دولة في بيان غير عادي دان ما وصفه بـ«المخططات القاتلة» والأنشطة الإيرانية الخبيثة في أميركا الشمالية وأوروبا وأستراليا. وسمّى البيان صراحة منظمة استخبارات الحرس الثوري، وفيلق القدس، ووزارة الاستخبارات الإيرانية، متهمًا إياها باستهداف معارضين إيرانيين وصحافيين ومصالح ومؤسسات يهودية وإسرائيلية. كما أشار إلى علاقة قديمة بين أجهزة الأمن الإيرانية وشبكات إجرامية محلية ودولية تُستخدم لتنفيذ عمليات يصعب ربطها مباشرة بطهران.
تهديدات «قاتلة» أحبطتها الاستخبارات الكندية
أخطر ما صدر عن السلطات الكندية لم يكن توقعًا نظريًا. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أعلن مدير جهاز الاستخبارات الأمنية الكندي، دان روجرز، أن الجهاز اضطر إلى إعادة ترتيب أولوياته لمواجهة أجهزة الاستخبارات الإيرانية ووكلائها، بعدما استهدفت أشخاصًا تعتبرهم طهران خطرًا على النظام.
وقال روجرز إن الاستخبارات الكندية كشفت وحققت وعطّلت، في أكثر من حالة، تهديدات وُصفت بأنها «قاتلة محتملة» ضد أشخاص يعيشون في كندا. لم يكشف الجهاز أسماء المستهدفين أو طبيعة العمليات، حرصًا على التحقيقات وسلامة الضحايا، لكن الإعلان نفسه مثّل أول اعتراف رسمي واضح بأن الصراع مع النظام الإيراني وصل إلى داخل الأراضي الكندية.
ولا تعتمد طهران دائمًا على موظفين رسميين أو دبلوماسيين. تقدير الاستخبارات الكندية هو أن إيران تستعمل وسطاء مرتبطين بالجريمة المنظمة العابرة للحدود، ما يمنحها مسافة إنكار بينها وبين المنفذين. وقد أشار تقرير سابق للجهاز إلى اتهام كنديين بالمشاركة في مخطط قتل مأجور داخل الولايات المتحدة، قيل إن شبكة يقودها تاجر مخدرات إيراني-تركي تولت تنظيمه لمصلحة الاستخبارات الإيرانية.
هذه الطريقة هي الأكثر خطورة بالنسبة إلى كندا. فالمنفذ قد يكون مجرمًا يبحث عن المال، ولا يحمل عقيدة سياسية إيرانية، بينما يكون المستفيد النهائي جهازًا حكوميًا يعمل من خلف عدة طبقات من الوسطاء.
قمع يصل إلى منازل الكنديين
الخطر الأكثر انتشارًا لا يأخذ دائمًا شكل محاولة اغتيال. هناك ما تسميه الأجهزة الكندية القمع العابر للحدود: مراقبة المعارضين، تشويه سمعتهم، ابتزازهم، تهديد أقربائهم في إيران، أو دفعهم إلى الصمت والانسحاب من العمل السياسي والإعلامي.
تقرير الاستخبارات الكندية لعام 2025 وصف إيران بأنها جهة عدوانية في ممارسة هذا النوع من القمع. وذكر حالة قرصنة استهدفت مؤسسة «إيران إنترناشيونال»، أعقبها نشر صور ووثائق شخصية تخص صحافيًا مقيمًا في كندا، بينها رخصة القيادة وبطاقة الإقامة الدائمة وبيانات جواز السفر. وبعد نشر المعلومات، تلقى الشخص مئات التهديدات العنيفة، بينما تعرض أفراد من أسرته في إيران لمضايقات من السلطات.
الهدف من هذه العمليات ليس جمع المعلومات وحده. إنها محاولة لخلق شعور بأن الهجرة إلى كندا لا توفر حماية كاملة، وأن يد النظام قادرة على الوصول إلى الصحافي أو الناشط من خلال هاتفه وعائلته وسمعته ومكان عمله.
الجبهة الإلكترونية
التهديد الإلكتروني هو المجال الذي تستطيع فيه إيران إحداث ضرر بتكلفة منخفضة، ومن دون إرسال عناصر إلى كندا. المركز الكندي للأمن السيبراني حذر في آذار/مارس 2026 من أن مجموعات مؤيدة لطهران قد تعتبر كندا هدفًا لعمليات تخريب إلكترونية، نتيجة المواقف الكندية خلال المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران.
وتشمل الأساليب المتوقعة إغراق المواقع بالطلبات لتعطيلها، وتشويه صفحات الإنترنت، وتسريب البيانات، واستخدام برامج الفدية أو البرمجيات المدمرة، إضافة إلى استهداف أجهزة ضعيفة مرتبطة بشبكات المياه والطاقة والبنى التحتية. ويرى المركز أن مجموعات إيرانية قد تستخدم أيضًا التصيد الإلكتروني والحسابات المزيفة لاختراق ناشطين وصحافيين ومسؤولين ومؤسسات تعمل في قطاعات الدفاع والطاقة والاتصالات.
لكن التحذير الكندي يتضمن نقطة مهمة: كثير من مجموعات «الهاكتيفيست» المؤيدة لإيران تبالغ في وصف نتائج هجماتها. لذلك يجب عدم التعامل مع كل إعلان مجهول على الإنترنت باعتباره دليلًا على اختراق استراتيجي ناجح. الخطر حقيقي، لكن تضخيمه يخدم الحرب النفسية التي ترافق النشاط الإلكتروني.
من دخل كندا فعلًا؟
منذ إدراج الحرس الثوري منظمة إرهابية بموجب القانون الجنائي الكندي عام 2024، أصبح التعامل مع أمواله أو تقديم خدمات له جريمة، وصارت المؤسسات المالية ملزمة بتجميد الممتلكات المرتبطة به. كما وسعت الحكومة نطاق منع كبار مسؤولي النظام الإيراني، ليشمل من شغلوا مناصب عليا منذ 23 حزيران/يونيو 2003.
وتكشف الأرقام الرسمية، حتى الأول من أيار/مايو 2026، أن السلطات راجعت نحو 17,800 ملف، وألغت 239 تأشيرة، وفتحت وكالة خدمات الحدود 176 تحقيقًا. كما اعتُبر 34 شخصًا غير مقبولين مبدئيًا بسبب عملهم مسؤولين كبارًا في النظام، وصدرت ثلاثة أوامر ترحيل، نُفذ واحد منها حتى ذلك التاريخ.
هذه الأرقام تظهر وجود مشكلة حقيقية في التدقيق والترحيل، لكنها لا تثبت الادعاءات الإعلامية التي تحدثت عن وجود «ألف خلية نائمة» إيرانية داخل كندا. لا يوجد حتى الآن رقم رسمي كندي يؤكد وجود ألف عميل أو عنصر عمليات. الخلط بين مسؤول سابق في مؤسسة إيرانية، وشخص خدم إلزاميًا، وناشط مرتبط بالنظام، وعميل استخبارات جاهز لتنفيذ هجوم، يحول النقاش الأمني إلى حملة تخويف جماعية ويفقده الدقة.
من هم الأكثر عرضة للخطر؟
المعارضون الإيرانيون والصحافيون والمدافعون عن حقوق الإنسان هم الفئة الأولى المستهدفة. وتأتي بعدهم شخصيات ومؤسسات يهودية وإسرائيلية، خصوصًا عندما ترتفع حدة المواجهة في الشرق الأوسط. كما يمكن أن تتعرض شركات كندية أو مؤسسات أكاديمية وتكنولوجية لمحاولات تجسس أو شراء غير مشروع لتقنيات حساسة.
لكن وجود هذا الخطر لا يعني أن كل اعتداء على كنيس أو شخصية يهودية في كندا عملية إيرانية، ولا أن كل حادث إطلاق نار مرتبط بطهران. فحادثة مونتريال الأخيرة، بحسب المعلومات المتاحة حتى 23 حزيران/يونيو، يجري ربطها ببيان ذي مضمون عنيف ومتطرف متأثر بثقافة الـ«إنسل»، ولا توجد معلومات رسمية تعلن صلة إيرانية بها. إدخال الحادثة في الملف الإيراني من دون دليل سيكون تضليلًا يضر بالتحقيق وبصدقية الإعلام.
الخطر الحقيقي والتحدي الكندي
الخطر الإيراني في كندا ليس جيشًا ينتظر ساعة الصفر، ولا جالية تتحرك كوحدة واحدة. إنه شبكة أكثر تعقيدًا: أجهزة استخبارات، حسابات إلكترونية، وسطاء ماليون، مجرمون مأجورون، حملات تشهير، وعمليات تخويف تستغل انفتاح المجتمع الكندي وحماية الحريات.
ومواجهة هذا الخطر تتطلب تسريع التحقيقات في ملفات المسؤولين المرتبطين بالنظام، وحماية المعارضين والصحافيين الذين يتلقون تهديدات، وتعزيز أمن المؤسسات اليهودية والإيرانية المعارضة، ورفع مستوى الحماية الإلكترونية في البلديات وشبكات المياه والطاقة والمستشفيات.
وفي الوقت نفسه، تقع على الدولة مسؤولية منع تحول الأمن إلى ذريعة للشك بكل إيراني. آلاف الإيرانيين في كندا هربوا أصلًا من الحرس الثوري ومن أجهزة النظام. إنهم شهود محتملون وشركاء في كشف نشاطه، لا امتداد طبيعي له.
لقد هدأت الحرب الخارجية، لكن الحرب الخفية لا تتوقف ببيان سياسي. وفي حالة إيران، تقول التجربة الكندية إن المسافة بين رسالة إلكترونية مشبوهة، وحملة تهديد، ومخطط عنيف تنفذه شبكة إجرامية، قد تكون أقصر مما كان يُعتقد.
