منذ عقود، عاش اللبنانيون تحت وطأة معادلة شديدة التعقيد: سوريا الدولة الشقيقة من جهة، وسوريا الوصاية والتدخل في الشأن اللبناني من جهة أخرى، وبين الوجهين، دفعت الدولة اللبنانية أثمانًا باهظة من سيادتها واستقلال قرارها الوطني، حتى باتت العلاقة بين البلدين محكومة بإرث ثقيل من الشكوك والهواجس أكثر مما هي محكومة بحسن الجوار والمصالح المشتركة.
عندما سقط نظام بشار الأسد، لم يكن الحدث سوريًا فحسب، بل لبنانيًا أيضًا، فجزء كبير من اللبنانيين رأى في نهاية عهد الأسد الأب والابن إقفالا لصفحة طويلة من التدخل السوري الإجرامي في الحياة اللبنانية.
في هذا السياق تحديدًا تكتسب تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع أهمية استثنائية، فالشرع عاد ليؤكد بوضوح خلال مقابلته الأخيرة أن سوريا لا تنوي التدخل في لبنان، وأنها لا تبحث عن دور عسكري على الأراضي اللبنانية.
والأهم من ذلك، أن الشرع لم يكتفِ بنفي التدخل، بل ذهب أبعد حين قال، بما معناه، إن سوريا تمتلك القدرة على التأثير لكنها لا تريد إعادة إنتاج التجارب السابقة.
صحيح أن التاريخ يدفع اللبنانيين إلى الحذر، فمنذ دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، مرورًا بسنوات الوصاية السياسية والأمنية، وصولا إلى الانسحاب العسكري عام 2005، بقيت العلاقة بين البلدين محكومة بميزان قوى غير متكافئ، ولا يعني ذلك أن أسباب الخلاف بين البلدين انتهت، فما زالت هناك ملفات حدودية عالقة ومسائل أمنية أخرى.
خليفة: الأزمات ناجمة عن كون لبنان "دولة حاجز"
وفي هذا السياق، رأى المؤرخ الدكتور نبيل خليفة لـ"نداء الوطن" أن "مقاربة أي حديث عن العلاقة اللبنانية ـ السورية يجب أن تنطلق أولا من فهم الموقع الجيوسياسي للبنان، مستندًا إلى أدبيات الجغرافيا السياسية الكلاسيكية، ولا سيما ما طرحه الجغرافي الألماني فريدريش راتزل في دراساته حول الدولة والجغرافيا السياسية".
وشرح خليفة أن لبنان يُصنَّف تاريخيًا ضمن ما يُعرف بـ"الدولة الحاجز"، أي الدولة الواقعة بين قوتين متنافسين، وفي الحالة اللبنانية بين سوريا وإسرائيل.
وأضاف أن هذا التصنيف لم يكن يومًا تفصيلا نظريًا، بل انعكس بصورة مباشرة على تاريخ لبنان، إذ جعل البلاد عرضة باستمرار لضغوط وصراعات.
واعتبر أن معظم الأزمات التي عاشها لبنان وما زال يعيشها ترتبط إلى حد بعيد بكونه دولة حاجز تحمل أعباء موقعها الجغرافي والسياسي.
وعن الحديث المتداول بشأن إمكان اضطلاع سوريا بدور في معالجة ملف "حزب الله"، لفت إلى أن المسألة لا تُحسم انطلاقًا من رغبات الأنظمة أو مواقفها المعلنة فقط، بل ترتبط بتوازنات القوى الإقليمية والدولية، مشيرًا إلى أن الدول المتوسطة تبقى في نهاية المطاف خاضعة لتأثير القوى الكبرى، فيما تتحكم القوى العظمى كالولايات المتحدة الأميركية بمسارات الملفات الحساسة في المنطقة.
وختم بالتشديد على أن المشهد لا يزال ضبابيًا، ما يجعل من المبكر الجزم بما إذا كانت سوريا ستُدفع مستقبلا إلى لعب دور مباشر في الملف اللبناني أم لا.
سعيد: لإطلاق مسار ترسيم الحدود اللبنانية - السورية
وكان النائب السابق فارس سعيد، الذي يُعدّ من أوائل الشخصيات السياسية المسيحية اللبنانية التي زارت دمشق بعد سقوط نظام الأسد وتسلّم الرئيس الشرع زمام السلطة، قد توقف عند مواقف الرئيس السوري الأخيرة المتعلقة بلبنان.
وأشار في حديث لـ"نداء الوطن" إلى أن تأكيد الشرع رفض أي تدخل سوريّ في الشؤون اللبنانية يشكل موقفًا إيجابيًا ومطمئنًا للبنانيين، معتبرًا أن هذا التوجه يستحق التقدير، ولا سيما في ظل الإرث المعقد الذي طبع العلاقات بين البلدين خلال العقود الماضية.
ودعا سعيد إلى ترجمة هذه المواقف عمليًا من خلال إطلاق مسار واضح لترسيم الحدود اللبنانية - السورية، بدءًا من منطقة مزارع شبعا، بما يساهم في إنهاء أحد أكثر الملفات الخلافية تعقيدًا بين البلدين، ويؤسس لعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل والسيادة الكاملة لكل دولة.
وأكد أن لبنان وسوريا يقفان اليوم أمام مرحلة جديدة تختلف عن المرحلة السابقة، معتبرًا أن وصول الشرع إلى السلطة يشكل فرصة لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.
أضاف أنه لمس خلال زيارته إلى دمشق مؤشرات توحي بوجود إرادة مختلفة عن تلك التي حكمت المرحلة الماضية، معربًا عن ثقته بأن سوريا الجديدة، إذا أُتيحت لها فرصة الاستقرار، يمكن أن تتجه نحو بناء علاقات طبيعية ومتوازنة مع لبنان.
إذا كانت تصريحات الشرع الأخيرة تعكس توجهًا استراتيجيًا ثابتًا، فإنها قد تكون المرة الأولى منذ عقود التي يسمع فيها اللبنانيون من دمشق ما كانوا ينتظرون سماعه دائمًا: لبنان للبنانيين، وسوريا للسوريين.
ريشارد حرفوش -نداء الوطن
