خاص

خاص: حبيب عبود - على عتبة عصر جديد: هل يستطيع العالم الانتقال من إدارة الصراعات إلى صناعة السلام والازدهار؟



بقلم حبيب عبود

يبدو العالم اليوم كأنه يقف عند جسر تاريخي يفصل بين حقبتين. في الضفة الأولى تتراكم الحروب، والانقسامات الجيوسياسية، والسباقات العسكرية، والديون، والتفاوتات الاجتماعية، وفقدان الثقة بالمؤسسات. وفي الضفة الثانية تلوح إمكانية قيام نظام عالمي أكثر تعاوناً، تدرك فيه القيادات أن السلام لا يُبنى بالقوة وحدها، وأن الاستقرار السياسي لا يدوم من دون تنمية، وأن الازدهار المالي والاقتصادي لا يمكن أن يكون امتيازاً لفئات محدودة، بينما تعيش الأكثرية في القلق والتهميش.

لكن الانتقال بين الضفتين ليس حتمياً. فالتاريخ لا يتحرك تلقائياً نحو الأفضل، بل يتقدم أو يتراجع وفق نوعية القيادة، وقوة المؤسسات، وقدرة المجتمعات على تحويل أزماتها إلى قواعد جديدة للعمل المشترك.

العالم لا يعيش عصر سلام بعد، بل مرحلة إنهاك متبادل

من منظور العلوم السياسية، تنشأ فرص التسويات الكبرى عادة عندما تصل القوى المتصارعة إلى قناعة بأن كلفة استمرار الصراع أصبحت أعلى من مكاسبه المحتملة. وهذا ما يمكن تسميته «نقطة الإنهاك الاستراتيجي». فالحروب الحديثة لا تستهلك الجيوش وحدها، بل تضرب سلاسل الإمداد، وترفع أسعار الطاقة والغذاء والتأمين، وتضغط على الموازنات العامة، وتضعف الاستثمار، وتزيد الهجرة والتطرف وعدم الاستقرار الاجتماعي.

لذلك قد تتجه بعض القيادات الدولية، حتى من دون تحول أخلاقي عميق، إلى خفض التصعيد؛ لأن السلام يصبح أكثر انسجاماً مع مصالحها الاقتصادية والسياسية. فالزعيم الذي يعجز عن توفير الوظائف، وضبط الأسعار، وتأمين الخدمات الأساسية، لن يستطيع المحافظة طويلاً على شرعيته بالاستناد إلى الخطاب القومي أو الانتصارات العسكرية وحدها.

مع ذلك، لا تسمح الوقائع بإعلان ولادة عصر سلام. فالإنفاق العسكري العالمي لا يزال عند مستويات مرتفعة، والسباق على النفوذ والتكنولوجيا والطاقة والممرات التجارية يتسع، فيما تتعرض منظومة الأمن الجماعي والتعاون المتعدد الأطراف لضغوط متزايدة بسبب تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجع الثقة بالقواعد الدولية. وهذا يعني أن السلام ما زال احتمالاً سياسياً ينبغي بناؤه، لا اتجاهاً مضموناً تفرضه حركة التاريخ.

لماذا تبقى فرص الانتقال إلى التعاون قائمة؟

رغم قتامة المشهد، توجد قوى موضوعية تدفع العالم نحو التعاون. أولها الترابط الاقتصادي. فلم تعد دولة كبرى، مهما بلغت قوتها، قادرة على حماية نموها منفردة في عالم تتشابك فيه التكنولوجيا والطاقة والأسواق والتمويل والمواد الأولية.

وثانيها أن تغير المناخ، والأوبئة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والهجرة، والأمن الغذائي، كلها تحديات عابرة للحدود لا تستجيب للحلول القومية المنعزلة. وثالثها أن المجتمعات أصبحت أكثر حساسية تجاه نوعية الحياة، وفرص العمل، والعدالة، والخدمات العامة، ولم يعد الانتصار العسكري وحده كافياً لمنح الأنظمة شرعية دائمة.

أما العامل الرابع فهو اقتصادي بامتياز. فالاقتصاد العالمي، على الرغم من قدرته على الصمود، يبقى شديد التأثر بالحروب والاضطرابات التجارية والمالية. وبالتالي، فإن كل تسوية سياسية كبرى يمكن أن تخفض علاوة المخاطر، وتحسن الاستثمار، وتخفف التضخم، وتحرر جزءاً من الموارد المستخدمة في التسلح لمصلحة البنية التحتية والتعليم والصحة والانتقال التكنولوجي.

لكن نجاح هذا التحول يتطلب أكثر من مؤتمرات ومصافحات. فالسلام المستدام، وفق علم الاجتماع السياسي، ليس مجرد توقف إطلاق النار، بل قيام بنية مؤسساتية تعيد توزيع الأمان والفرص والحقوق.

فالسلام الذي يبقي الفقر والإقصاء والفساد وانعدام العدالة يتحول سريعاً إلى هدنة بين جولتين من العنف. لذلك ينبغي أن يقترن أي نظام عالمي جديد بإصلاح قواعد المؤسسات الدولية، وضبط سباقات التسلح، وتوسيع تمويل التنمية، وإدارة أكثر عدالة للديون، وحماية الدول الضعيفة من أن تتحول إلى ساحات لتصفية حسابات القوى الكبرى.

تقدير فرص النجاح عالمياً

يمكن وصف فرص النجاح بأنها متوسطة ومشروطة. فهي أعلى من أن تُرفض بوصفها وهماً، وأضعف من أن تُعتبر مساراً محسوماً. ما يعززها هو الإرهاق الاقتصادي الناتج من الحروب، والخوف من توسع النزاعات، والحاجة إلى استقرار الأسواق، وضغط الأزمات المناخية والاجتماعية. وما يهددها هو استمرار منطق مناطق النفوذ، وصعود الشعبويات القومية، واتساع الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، والتنافس على التكنولوجيا والطاقة والممرات التجارية.

السيناريو الأكثر واقعية ليس قيام «سلام عالمي شامل»، بل نشوء شبكة من التسويات الإقليمية والتفاهمات الاقتصادية والتهدئات المتدرجة. وقد تبدأ القوى الكبرى بالتعاون في ملفات محددة، مثل حماية التجارة والطاقة والممرات البحرية، ثم تنتقل إلى ضبط النزاعات، من دون أن ينتهي التنافس بينها.

وبذلك قد يكون العصر المقبل عصر «التنافس المنظّم»: لا تزول فيه الخصومات، لكنها توضع تحت سقوف تمنع الانفجار الشامل، وتسمح بتوسيع المصالح المشتركة. ويتوقف نجاح هذا السيناريو على قدرة القادة على الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى الوقاية منها، ومن خطاب الهيمنة إلى منطق الاعتماد المتبادل.

ولا ينبغي التقليل من أهمية العامل القيادي. فقد تتوافر الظروف الموضوعية للسلام، لكن قيادات أسيرة الأيديولوجيا أو الطموح الشخصي قد ترفض التسوية. كما قد تفشل فرص السلام عندما تكون النخب المستفيدة من الحروب والفساد أقوى من المؤسسات العامة. ومن هنا يصبح بناء السلام مسألة تتعلق ببنية السلطة والمصالح، وليس فقط بحسن النيات.

ماذا يعني ذلك للبنان؟

لبنان من أكثر الدول تأثراً بتغير البيئة الإقليمية والدولية، لأن اقتصاده وأمنه وتوازناته الداخلية مرتبطة بدرجة كبيرة بحركة المنطقة. فإذا دخل الشرق الأوسط مرحلة تهدئة واستثمارات وإعادة إعمار وترابط اقتصادي، يستطيع لبنان أن يستفيد سريعاً من موقعه الجغرافي، واغترابه الواسع، ورأسماله البشري، وقطاعاته التعليمية والصحية والسياحية والثقافية، وقدرته التقليدية على تقديم الخدمات والوساطة والتواصل بين الأسواق.

وتوجد بالفعل مؤشرات محدودة على إمكان التعافي، إذا استمرت الإصلاحات، ووصلت تدفقات إعادة الإعمار، وحافظ البلد على الاستقرار السياسي. غير أن هذا التعافي يبقى هشاً ولا يلغي الخسائر المتراكمة، ولا يعوض الانكماش الحاد الذي أصاب الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة، ولا يلغي حاجات إعادة الإعمار الكبيرة.

إذا تحقق انفراج دولي وإقليمي، يمكن أن ينعكس على لبنان عبر خمسة مسارات مترابطة. أولها خفض المخاطر الأمنية، بما يشجع السياحة والاستثمار وعودة جزء من الرساميل والمهارات. وثانيها فتح فرص أمام الشركات والكفاءات اللبنانية للمشاركة في مشروعات الإعمار والخدمات في المنطقة. وثالثها إعادة إدماج لبنان في شبكات النقل والطاقة والتجارة الرقمية.

أما المسار الرابع فهو توجيه دعم دولي أكبر نحو البنية التحتية والحماية الاجتماعية والتحول الرقمي في القطاع العام. ويتمثل المسار الخامس في تحويل الانتشار اللبناني من مصدر للتحويلات الفردية إلى شبكة استثمار ومعرفة وأسواق.

لكن أخطر وهم يمكن أن يقع فيه اللبنانيون هو الاعتقاد بأن السلام الإقليمي سيعيد ازدهار البلاد بصورة تلقائية. فالفرص الخارجية لا تعوّض انهيار المؤسسات الداخلية. يستطيع العالم أن يفتح الأبواب، لكنه لن يدخل لبنان منها نيابة عن اللبنانيين. كما أن رأس المال لا يعود بالخطابات، بل عندما يتوافر قضاء مستقل، وقواعد مالية واضحة، وإدارة عامة فعالة، وقطاع مصرفي قابل للحياة، وأمن قانوني وسياسي يحمي المستثمر والمواطن معاً.

ماذا ينبغي للسلطات اللبنانية أن تفعل؟

أولاً: إعادة بناء مفهوم الدولة والسيادة

المطلوب إعادة تعريف الدولة باعتبارها الضامن الوحيد للمصلحة العامة. وهذا يقتضي تثبيت السيادة، وتوحيد القرار الأمني والاستراتيجي ضمن المؤسسات الدستورية، ومنع استخدام لبنان ساحة للصراع أو منصة للرسائل الإقليمية.

فالاقتصاد المنتج يحتاج إلى دولة تستطيع أن تَعِد وتنفذ، وتحمي الحدود والقانون والعقود. ولا تعني سياسة تحييد لبنان عن الصراعات الانعزال عن قضايا المنطقة، بل حماية المجتمع اللبناني من دفع كلفة مواجهات لا يملك قرارها ولا يستطيع التحكم بنتائجها.

ثانياً: إنجاز تسوية مالية ومصرفية عادلة

لا يمكن إعادة بناء الاقتصاد بينما تبقى الودائع معلقة، والخسائر غير موزعة، والمصارف عاجزة عن التمويل، والاقتصاد النقدي يتوسع.

يجب تحديد الخسائر بوضوح، وترتيب المسؤوليات بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمساهمين، وحماية صغار المودعين قدر الإمكان، وإنشاء مسار زمني واقعي لاستعادة الحقوق. وينبغي أن يترافق ذلك مع إعادة هيكلة الدين، وإصلاح حوكمة المصرف المركزي، وتعزيز الرقابة المصرفية والمالية.

إن أي محاولة للتهرب من توزيع الخسائر بصورة شفافة لن تؤدي إلا إلى تمديد الأزمة، وتحميل الفئات الأضعف الجزء الأكبر من الكلفة، وإضعاف الثقة بالدولة والنظام المالي. فالمطلوب ليس إخفاء الخسائر أو ترحيلها، بل الاعتراف بها ومعالجتها وفق قواعد العدالة والمسؤولية.

ثالثاً: تحويل مكافحة الفساد إلى مشروع مؤسساتي

لا يمكن مكافحة الفساد بالشعارات أو بتصفية الحسابات الانتقائية. جوهر الإصلاح هو ضمان استقلال القضاء، وتقوية أجهزة الرقابة، وتحسين حوكمة مصرف لبنان، وتعزيز الرقابة المالية، وإصلاح إدارة المال العام والمؤسسات المملوكة للدولة.

ولا تكفي القوانين الجديدة إذا بقي تطبيقها خاضعاً للنفوذ السياسي. لذلك يجب نشر البيانات والعقود والموازنات، وإخضاع التوظيف والشراء العام لمعايير الكفاءة والمنافسة، وربط التمويل الخارجي بنتائج قابلة للقياس والتحقق.

كما ينبغي حماية القضاة وأجهزة الرقابة من التدخلات السياسية، لأن مكافحة الفساد لا تنجح عندما تكون الأجهزة المفترض أن تحاسبه خاضعة للجهات المستفيدة منه.

رابعاً: الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج

ينبغي وضع سياسة وطنية تركز على القطاعات التي يملك فيها لبنان مزايا حقيقية، ومنها الاقتصاد الرقمي، والتعليم المتخصص، والخدمات الصحية، والصناعات الغذائية والدوائية، والزراعة عالية القيمة، والصناعات الإبداعية، والسياحة الثقافية والطبية والبيئية، والخدمات المهنية والمالية المنضبطة.

ولا يكفي تقديم الحوافز الضريبية، بل يجب خفض كلفة الكهرباء والاتصالات والنقل، وتبسيط التراخيص، ومنع الاحتكارات، وتسهيل تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما يجب ربط الجامعات والمعاهد المهنية بحاجات سوق العمل بدلاً من الاستمرار في تخريج اختصاصات لا تجد فرصاً إنتاجية داخل البلاد.

ويجب أن تصبح الدولة شريكاً في تسهيل الإنتاج، لا عبئاً بيروقراطياً عليه. فالمؤسسة التي تحتاج إلى سنوات للحصول على ترخيص، أو تدفع كلفة طاقة واتصالات تفوق قدرتها، لن تستطيع المنافسة مهما كانت كفاءة أصحابها.

خامساً: حماية رأس المال البشري

إعادة بناء لبنان لا تبدأ بالإسمنت، بل بالمدرسة والجامعة والمستشفى والإدارة. لذلك ينبغي اعتماد برنامج طوارئ لمنع انهيار التعليم الرسمي، واستعادة الكفاءات إلى الإدارة العامة، ودعم التدريب المهني المرتبط بحاجات السوق، وإنشاء آليات تسمح للخبراء اللبنانيين في الخارج بالمساهمة عن بعد، أو العودة المؤقتة، أو الاستثمار المشترك.

كما ينبغي تحويل الحماية الاجتماعية من مساعدات متفرقة تخضع للوساطة السياسية إلى نظام وطني موحد ودقيق الاستهداف، يحفظ كرامة الفئات الضعيفة ويمنع الإصلاح الاقتصادي من إنتاج انفجار اجتماعي جديد.

إن الدول لا تعاد بناؤها فقط بإعادة تشييد الطرق والمباني، بل بإعادة بناء الثقة والمهارات والقدرة على العمل والإنتاج. وإذا استمرت هجرة الكفاءات، فقد يجد لبنان نفسه قادراً على تمويل الإعمار، لكنه عاجز عن إيجاد من يديره ويطوره ويحمي نتائجه.

سادساً: اعتماد نموذج مختلف لإعادة الإعمار

يجب أن تكون الأولوية للمناطق الأكثر تضرراً وللبنية التحتية التي تحرك الاقتصاد وتعيد الخدمات، وفق بيانات علنية ومعايير فنية، لا وفق المحاصصة والتوزيع السياسي.

يمكن إنشاء منصة وطنية مستقلة تنشر مصادر الأموال، والمناقصات، ونسب التنفيذ، والجهات المستفيدة، ونتائج التدقيق. كما يجب ترتيب المشروعات وفق أثرها الاقتصادي والاجتماعي، لا وفق قوتها الدعائية أو فائدتها السياسية.

ويجب أن يكون هدف إعادة الإعمار بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود، لا إعادة إنتاج البنية نفسها التي انهارت. لذلك ينبغي اعتماد معايير حديثة في الطاقة، والتخطيط العمراني، والنقل، والبيئة، والحوكمة المحلية.

سابعاً: صياغة عقد اجتماعي جديد

الأزمة اللبنانية ليست مالية فقط، بل هي أزمة ثقة وانتماء وعدالة. فلا يمكن مطالبة المواطن بدفع الضرائب واحترام القانون إذا كان يرى أن النفوذ يحمي المخالفين، وأن الخدمات والوظائف توزع وفق الزبائنية.

يجب أن يربط العقد الاجتماعي الجديد الحقوق بالواجبات، ويضمن المساواة أمام القضاء، ويوسع اللامركزية الإدارية والإنمائية ضمن وحدة الدولة، ويمنح الشباب والنساء والقطاعات المنتجة دوراً أكبر في صنع القرار.

فالدولة القوية ليست الدولة المركزية المتضخمة، بل الدولة العادلة القادرة على تطبيق القانون وتقديم الخدمات في جميع المناطق. وهي الدولة التي يشعر فيها المواطن أنه شريك في الوطن، لا تابع لطائفة أو زعيم أو شبكة مصالح.

كما ينبغي الانتقال من ثقافة التسويات المؤقتة إلى ثقافة المؤسسات المستقرة. فالمجتمعات لا تستعيد ثقتها عندما تتغير الحكومات فقط، بل عندما تصبح القواعد أقوى من الأشخاص، ويصبح القانون قابلاً للتطبيق على الجميع.

لبنان بين فرصة تاريخية وخطر الإضاعة

إن نجاح لبنان في الاستفادة من أي تحول عالمي أو إقليمي يعتمد قبل كل شيء على قدرته على الاستعداد له. فالفرص لا تنتظر الدول المترددة، والاستثمارات تتجه إلى البيئات الأكثر استعداداً واستقراراً ووضوحاً.

إذا تحركت المنطقة نحو التهدئة والتعاون، ستتنافس دول كثيرة على جذب الاستثمارات والسياحة والمشروعات التكنولوجية واللوجستية. ولن يكون لبنان وحده في هذا السباق. لذلك لا يكفي أن يعتمد على تاريخه أو موقعه أو مهارات أبنائه، بل عليه أن يثبت أنه قادر على إدارة موارده وحماية المستثمرين وتطبيق القانون.

كما أن الدول المانحة والمؤسسات الدولية لن تستمر في تمويل نموذج يكرر الأخطاء نفسها. وسيصبح الدعم مرتبطاً بصورة متزايدة بالشفافية والإصلاح والنتائج. وبالتالي، فإن لبنان الذي يريد الاستفادة من العصر المقبل عليه أن ينتقل من طلب المساعدة إلى بناء الشراكة، ومن عرض أزماته إلى تقديم رؤية قابلة للتنفيذ.

ويمكن للاغتراب اللبناني أن يؤدي دوراً أساسياً في هذا التحول، شرط ألا يُنظر إليه فقط كمصدر للتحويلات المالية. فالمغتربون يمتلكون المعرفة والشبكات والأسواق والخبرات. ويمكن إنشاء صناديق استثمار شفافة، وبرامج لنقل التكنولوجيا، ومنصات تربط الشركات اللبنانية بالأسواق العالمية، وآليات تسمح بمشاركة الخبراء في إصلاح الإدارة والتعليم والاقتصاد.

البعد الاجتماعي والنفسي لإعادة البناء

إعادة بناء لبنان ليست عملية اقتصادية وتقنية فقط، بل هي أيضاً عملية نفسية واجتماعية. فقد عاش اللبنانيون سنوات طويلة من الخوف وفقدان الثقة والشعور بالعجز وعدم القدرة على التخطيط للمستقبل.

وهذا النوع من الأزمات يترك آثاراً عميقة في سلوك المجتمع. فالناس الذين يفقدون الثقة بالدولة يميلون إلى الانكفاء نحو العائلة والطائفة والهجرة والاقتصاد غير الرسمي. وعندما يصبح المستقبل غامضاً، تتراجع المبادرة ويزداد السعي إلى النجاة الفردية بدلاً من العمل الجماعي.

لذلك ينبغي أن ترافق الإصلاحات الاقتصادية سياسة لاستعادة الثقة العامة. ويبدأ ذلك بخطاب رسمي صادق يعترف بالمسؤوليات والأخطاء، ويقدم جدولاً زمنياً واضحاً، وينشر المعلومات، ويتجنب الوعود غير الواقعية.

كما يحتاج المجتمع إلى رموز نجاح جديدة. فبدلاً من تمجيد الزعامة والنفوذ، يجب إبراز قيمة المعلم والطبيب والمهندس والمزارع ورائد الأعمال والموظف النزيه. فإعادة بناء الدولة تتطلب إعادة بناء منظومة القيم التي تحكم نظرة الناس إلى النجاح والمكانة والخدمة العامة.

الخلاصة

قد يكون العالم بالفعل على عتبة عصر مختلف، لكنه ليس بالضرورة عصراً أفضل. فالانتقال من منطق الحرب إلى منطق السلام والازدهار يتطلب قيادة تدرك أن القوة الحقيقية لا تقاس فقط بحجم السلاح، بل بقدرة الدولة على إنتاج الأمان والفرص والثقة.

والاحتمال الأكثر واقعية هو أن نشهد تسويات تدريجية وتعاوناً اقتصادياً متزايداً، إلى جانب استمرار التنافس والصراعات المحدودة. لن تختفي المصالح المتعارضة، لكن يمكن ضبطها ضمن قواعد تمنع الحروب الشاملة وتوسع مساحات التعاون.

أما بالنسبة إلى لبنان، فتمثل هذه اللحظة فرصة تاريخية، وربما إحدى الفرص الأخيرة قبل أن يصبح التراجع البنيوي أكثر صعوبة وكلفة. فإذا أصلحت الدولة قضاءها وماليتها ومصارفها وإدارتها، وثبتت سيادتها، وحمت رأسمالها البشري، ووجهت الإعمار نحو الإنتاج والعدالة، يمكنها أن تتحول من ساحة تتلقى أزمات الآخرين إلى دولة تشارك في صنع ازدهار المنطقة.

أما إذا انتظرت أن يأتي الخلاص من الخارج، أو اعتقدت أن تبدل الظروف الإقليمية سيعفيها من الإصلاح، فستمر مرحلة التحول العالمية من حولها، وسيبقى لبنان واقفاً عند أول الجسر، يرى العصر الجديد ولا يعبر إليه