صحافة

كلفة السلاح وثمن التخلّي عنه



 

في البدء كان الرفض، قبل المفاوضات المباشرة واتفاق "الإطار الثلاثي" بين لبنان وإسرائيل وأميركا. حتى وقف النار، فإنه بقي مرفوضًا من "حزب الله" حين جرى إعلانه في مفاوضات واشنطن الى أن جاء في مفاوضات إسلام آباد و"مذكرة التفاهم" بین أميرکا وإیران. وليس خارج المعتاد أن يتظاهر أنصار "الحزب" في الشارع ضد "الإطار الثلاثي"، ويعتبر الشيخ نعيم قاسم أنه "مذلة وعار وتنازل عن السيادة ومنعدم الوجود"، ويرى الرئيس نبيه بري "فتنة وإملاءات أخطر من اتفاق 17 أيار". فهذا أمر محتم حدوثه، ولو كان الاتفاق مثاليًّا، وهو ليس كذلك بطبائع الأمور، ولن يكون أي اتفاق آخر كذلك، ولو خلا من التعقيد في الصياغة والتكرار إلى حد الركاكة ومن التعابير المطاطة التي تسمح لإسرائيل وأميركا بالإدعاء أن إجراءات الجيش تحتاج إلى المزيد من التحقق والتدقيق والتوثيق، وبالتالي تأخير الانسحاب الإسرائيلي. العرب وشعوب الشرق الأوسط

 

لكن ضد منطق الدولة والاحتكام إلى الدستور أن يتجاهل الرافضون خطورة وقوفهم في مواجهة الأكثرية الرسمية والشعبية والدعم العربي والدولي لسحب السلاح خارج الشرعية. وضد معنى الوطنية والسيادة أن يصبح الارتباط العضوي بإيران هو معيار الوطنية في لبنان، وأن يكون الرهان على "مذكرة التفاهم" ضد "الإطار الثلاثي" قمة التمسك بالسيادة مع معرفة الجميع أن الإصرار على احتفاظ "حزب الله" بالسلاح، مهما يكن الثمن، يحتم على صاحب السلاح الإمساك بقرار الحرب والسلم. فلا دور للسلاح من دون قرار استخدامه بأمر من القيادة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ولا دولة من دون حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم.

 

 

يقول المفكر الصيني القديم سن تزو في كتاب "في الحرب" إنه يجب الحرص على "الموازنة بين كلفة الحرب وفوائدها السياسية". والموازنة محتلة تمامًا بين كلفة حرب الإسناد لغزة وإيران دمارًا وتهجيرًا وخسائر بشرية هائلة وبين الفوائد السياسية لإيران و"الحزب". وهي خسائر وطنية وسياسية ومالية واقتصادية للبنان. ومن الوهم الركون إلى التنظيرات الداعية إلى التقليل من حساب الخسائر المادية والبشرية في الحرب مع إسرائيل، والتركيز على عامل وحيد هو بقاء السلاح و"الحزب" فوق أرض مدمرة واحتلال إسرائيلي متوسع، وإعلان "النصر" لا بالفعل على إسرائيل وأميركا بل على الدولة وبقية اللبنانيين، على الطريق إلى "نصر إلهي" يعيد عقارب التاريخ 1400 سنة إلى الوراء.

 

 

ولا مهرب من المقارنة بين كلفة الحفاظ على السلاح وثمن التخلي عنه. فالسلاح في يد حزب مذهبي أيديولوجي مرتبط بـ"الحرس الثوري" أدّى إلى "عسكرة" طائفة واحدة، وإلى خلاف مع بقية الطوائف، وارتفاع خطير جدًا في منسوب التوتر والتنابذ والحساسيات الطائفية والمذهبية الخطيرة أصلًا. ولا شيء يوحي بأن إيران تستطيع، ولو اتفقت موقتًا مع أميركا، إجبار إسرائيل على الانسحاب الكامل من لبنان بلا قيد ولا شرط، بحيث تبدو المعادلة الواقعية، الأخطر من الحرب ومن أي سلم، هي بقاء السلاح والاحتلال معًا، وربما فرض هيمنة ثلاثية إقليمية على لبنان عبر تقاسم السيطرة على أجزاء منه. العرب وشعوب الشرق الأوسط

 

وإذا أخذنا بما جاء في اتفاق الإطار الثلاثي، وجرى تحقيق الالتزامات فيه، فإن التخلي عن السلاح يؤدي إلى الانسحاب الكامل وإعادة الإعمار والاستثمارات وعودة النازحين والأسرى، وفرض السيادة الفعلية للدولة، والتعهد الأميركي بحشد العرب والغرب لمساعدة لبنان، والحفاظ على التوازن بين الطوائف وفي مقدمها الطائفة الشيعية. وهذا إنجاز مهم في حصول لبنان على ثمن التخلي عن السلاح. والمفارقة أن هذه الالتزامات الواردة في اتفاق الإطار هي ما يطالب به "الثنائي الشيعي" الرافض له. وأول ما نحتاجه بشدة هو تطبيق قول کونفوشيوس: "يجب إعادة المعنى إلى الكلمات".

 

نداء الوطن - رفيق خوري