الشعب اللبناني مرهق ومنهك ومحبط. سنوات طويلة من الأزمات والحروب تركت ندوبًا عميقة في روحه الجماعية، كما في قدراته الفردية، وفي علاقته بنفسه وبمحيطه وبفكرة الوطن بحد ذاتها. لم يعد السؤال الأساسي عند غالبية اللبنانيين: "كيف نرفض هذا الواقع ونغيّره؟"، بل أصبح: "كيف نعيش داخله ونستمر رغم كل شيء؟".
مع تراكم الخيبات والانهيارات، تراجع اهتمام اللبنانيين المنهكين بالشأن العام وبالسياسة وحتى بالمطالبة بالحقوق. فقدوا إيمانهم بالتغيير، لا بفعل اللامبالاة، بل نتيجة استنزاف نفسي واجتماعي دفع بالكثيرين إلى الاكتفاء بهدف واحد: النجاة بيومهم من دون خسائر جديدة. وعلى الصعيد النفسي، كما على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، وصل الإنهاك باللبنانيين إلى حدّ الاستسلام الصامت. لم يعد ما يعيشونه مجرد تأقلم مع الأزمات، أو "resilience" كما يتباهون به، بل انسحابًا تامًا من واقع ما عادوا قادرين على تحمّله.
د. فارس سعيد، الذي رافق ثورة 14 آذار وما وعدت به من تغيير، يقول إن لبنان يعيش على حافة الهاوية منذ العام 1969، حين تخلّت الدولة عن جزء من سيادتها مقابل الحصول على استقرار داخلي، ثم حين فُقدت السيادة ومعها الاستقرار في العام 1975، وصولًا إلى يومنا هذا. احتلالات متلاحقة، من منظمة التحرير إلى الجيش السوري فالاحتلال الإيراني، عوامل أدت بلا شك إلى شعور جيل بكامله بالتعب والإنهاك والاستقالة من الشأن العام. والدليل أن اللبناني اليوم بات يشعر بأنه يسكن في لبنان وحسب، وليس مواطنًا لبنانيًا. لكن هذا الإحباط، وفق سعيد، تقابله علامات صمود استثنائية لدى المجتمع اللبناني لم يعرف التاريخ مثيلا لها. فرغم ما مرّ عليه في السنوات الأخيرة، لا يزال اللبناني المستقيل من الشأن العام صامدًا ومتعلقًا بصيغة البلد، لسبب أساسي يكمن في أسلوب الحياة في لبنان، الذي يولّد عند أهله شعور التعلّق ببلدهم رغم كل الأزمات.
لكن، أبعد من الأزمات، يرى اللبنانيون اليوم، وفق سعيد، أن بلدهم بات خارج دوائر التأثير. فالمنطقة يُعاد تنظيمها وصياغة مصالحها الكبرى في غياب اللبنانيين وتغييب دولتهم؛ ولبنان، الذي كان المستشفى والجامعة والمصرف والخدمات والمصالح الاقتصادية الكبرى، بات مهمّشًا وخارج دوائر التأثير، ما يفاقم حالة القلق على المستقبل والمصير عند اللبنانيين، على نحو يتجاوز ما عاشوه من قلق إبّان الحرب الأهلية. وإن لم يروا في المستقبل القريب إعادة تكوين لبلدهم تمنحه سببًا للوجود، سيزداد شعورهم بالإحباط والإنهاك، وستزيد موجات الهجرة إلى الخارج، خاصة لدى الشرائح الشابة.
حالة الإنهاك والاستسلام التي يعيشها المجتمع تستدعي إيجاد مخارج وحلول تبدأ، برأي سعيد، بقيام دولة تعيد صياغة نظام القيم عند اللبنانيين، بعد أن انهار خلال الحرب وما تلاها من أزمات، وصار الفساد هو المعيار، وذلك من خلال الحرية والعدالة، بحيث يصبح المواطن مؤمنًا بالدولة والقانون ومستعدًا للخضوع لهما. وحتى تقوم هذه الدولة، يجب أن يشارك الناس في قيامها. ولكن يتساءل سعيد: كيف تقوم دولة بقانون انتخاب تُنتج فيه كل طائفة إدارة سياسية وطائفية خاصة بها، وتتساكن هذه الإدارات على نحو لا يخلو من المنافسة أو الصدام أحيانًا؟ الحل يكون بتغيير قانون الانتخاب بحيث ينتج مواطنًا لبنانيًا، مع الحفاظ على التنوع الثقافي والاجتماعي. أما النقطة الثانية من الحل الذي يرسم طريق المستقبل، إلى جانب قيام دولة عادلة وقوية، فهي الإحاطة العربية والدولية التي تشكّل مظلة دعم للبنان، تحمي دولته وأهله. المواطن اللبناني ليس كسولا، بل يحتاج إلى من يحتضنه ليعود إلى كنف الشأن العام.
غياب فترات التعافي
هذا على الصعيد السياسي، أما على الصعيدين الفردي والجماعي، فالاختصاصية في علم النفس الاجتماعي داليا اللقيس تعتبر أننا، كأفراد وكشعب، نعيش أزمات متتالية ومركبة لم تتوقف منذ سنوات. في علم النفس، حين نعيش مشكلة معينة، نمرّ بعد انتهائها بمرحلة تعافٍ، ثم نكمل حياتنا. لكن هذه الدائرة لا تحدث في لبنان، إذ حين تتراخى أزمة ما تنشأ أخرى على إثرها، من دون المرور بمرحلة تعافٍ، ما يجعل الثقل الذي نحمله على أكتافنا أكبر مما يمكن أي شعب أن يتحمّله. ولا بد من القول إن الموارد المطلوبة للتعافي غير متوافرة، لأنه يحتاج أولا إلى أمان، وإلى الثقة بأن هناك من يهتم بإيجاد حلول، كما يحتاج إلى استقرار مالي يؤمّن للفرد دخلا أو مورد عيش. عادةً تكون الدول أو الحكومات المظلة الحامية التي تتخذ الإجراءات التي تمتص خوف الناس وقلقهم وتجعلهم قادرين على إكمال حياتهم، لكن، للأسف، الدولة في لبنان ليست مصدر ثقة أو أمان، وهي غير راعية أو حامية أو مهتمة. وبالتالي، لم يعد المواطن يثق بأنه، حين يقع، هناك من يلمّه أو يحلّ مشكلته، فصار هو المسؤول عن نفسه، مضطرًا إلى حل مشاكله من دون وجود من يرعاه.
تفنّد الاختصاصية النفسية الأسباب التي أوصلتنا، كأفراد وكمجموعة، إلى الإنهاك، وتقول إننا وصلنا إلى حالة Burn Out في الأساس نتيجة غياب منظومة خدمات وحقوق أساسية. وقد اشتدّ هذا الشعور خلال الحروب لأننا أصبحنا تحت الخطر والخوف، في غياب معظم الموارد.
بعد ثورة 17 تشرين، أمل اللبنانيون في أن الأمور ستصبح أفضل، لكنهم وصلوا إلى خيبة أمل كبيرة ولّدت فيهم شعورًا بالإحباط. وما لبثت خيبات الأمل أن تكررت في محطات عدة، وسعوا إلى مواجهتها بالتفاؤل وحب الحياة والاقتناع بقدرتهم على المقاومة والنهوض من جديد. لكن استمرار الحمل الثقيل لسنوات أرهق الناس بثقله، وأوصلهم إلى حالة من الإنهاك، رغم كل الإيجابية والنية الطيبة.
شعور بالعجز والاستسلام
عوارض الإرهاق التي يمر بها الشخص على المستوى الفردي تبدأ على الصعيد الجسدي، حيث يشعر بتعب وألم في الرأس واضطرابات في الجهاز الهضمي، كما في النوم، مع تسارع في دقات القلب وضعف في جهاز المناعة، وصولا إلى السرطان الذي تشير بعض الدراسات إلى ارتباطه بقمع الإحباطات والضغوط والمشاعر. أما العوارض النفسية فتكمن في إبداء نظرة تشاؤمية إلى الواقع والمستقبل، ومن ثم الانفصال عن الواقع والتبلّد العاطفي أو الفتور، بحيث لا يبدي الفرد أيّ ردة فعل تجاه ما يعيشه. وعلى العكس من التبلّد، يمكن أن يُصاب الفرد بسرعة الانفعال وضيق الخلق، وقد بتنا نلاحظ ازدياد نوبات الغضب لأبسط الأسباب، ولا سيما أثناء قيادة السيارة. وتطول لائحة الانعكاسات النفسية، ومنها الضبابية الذهنية، وقلة التركيز، والصعوبة في اتخاذ القرارات، وتراجع الإنتاجية والتفكير الإبداعي.
والأسوأ من هذا كله، تشرح الاختصاصية داليا اللقيس، هو الشعور بالعجز، حيث بات كل فرد يشعر بأنه غير قادر على إحداث أي تغيير، ما يؤدي به إلى الانسحاب الاجتماعي والعزلة. وقد يصل الأمر إلى حد ما يُعرف بإعياء التعاطف، أي عدم القدرة على التعاطف مع آلام ومصائب الآخرين، لا قسوةً وكرهًا، بل ليعمل الفرد على حماية نفسه ومشاعره، لأنه ما عاد قادرًا على تحمل المزيد من الألم. مشاعر الإنهاك هذه أوجبت على كل شخص اعتماد آليات للتكيّف، ولكن، للأسف، تبدو بمعظمها سلبية، ومنها تناول المهدئات أو المنبهات، والإنفاق الاندفاعي وكثرة الشراء، والتخدير الرقمي وقضاء الوقت في تصفح مواقع التواصل بلا هدف، والأكل العاطفي.
أما على الصعيد الجماعي، فتكمن آلية التكيّف في الاستسلام أو الانكفاء السياسي. وفي دراسة أُجريت بعد ثورة 17 تشرين، تبيّن أن الناشطين أُصيبوا بعدها بما يُعرف بالاحتراق الثوري، أي بعد الجهود التي بذلوها لتغيير النظام، جاءت النتيجة معاكسة وتراجع كل شيء، فكانت النتيجة أن كثيرين غادروا لبنان، فيما من تبقّى من ناشطين انكفأوا وصمتوا وما عادوا يريدون العمل في الشأن العام. الناس اليوم وصلوا إلى مرحلة الاحتراق ذاتها، والفرد بات كائنًا مفككًا غير قادر على الإنتاجية، يعيش وفق ما يُعرف بآلية البقاء Survival Mode، أي إن همه أن ينجو بيومه من دون أن يُقتل أو يُصاب، بدل أن يتّبع آلية الحياة التي تجعله يكبر ويتطور ويحلم ويغيّر. آلية الحياة تمر بمراحل ثلاث: تأمين الاحتياجات الأساسية، والشعور بالأمن والأمان، ومن ثم الازدهار النفسي. لكن، للأسف، في لبنان، المواطن عالق في المستوى الأول.
المواطنة البديلة
الإحباط المتراكم عبر السنين، والمترافق مع شعور بالعجز، أدى إلى لامبالاة سياسية واستسلام وانكفاء، بحيث بات المواطنون يشعرون بأنهم غير معنيين بما يحدث لهم وعلى أرضهم. والأخطر من الانسحاب لجوء المواطن المتعب إلى مواطنة بديلة، أي بدل الإيمان بالدولة والأنظمة والقوانين، اضطر إلى الذهاب نحو تضامن محلي مع الطائفة أو الحزب، وبات يضع جهوده هناك عوض السعي إلى التغيير الذي كان يحلم به ويطالب به. اختار الانسحاب من النظام الأكبر الذي لم يفده في شيء، لصالح المجموعة الأصغر، حيث تساهم جهوده في الحفاظ على مجموعته. ويبقى الخيار الأخير الهجرة، وعلى الأخص هجرة الأدمغة، والبحث عن بلد آخر يمنح المواطن المخذول فرصة ليعيش حياة أفضل. أما من بقي، فقد بات عرضة لاضطرابات نفسية تتنوع بين الاكتئاب والقلق والأفكار الانتحارية واضطراب ما بعد الصدمة، ولا سيما مع عدم وجود فرصة لفترة تعافٍ طويلة تنقذه من هذه الحالات.
من هنا لا بد من صرخة: ارحموا الشعب المنهك، أعطوه فرصة ليستعيد عافيته، أمّنوا له عناصر الأمان وشبكة حماية، واتخذوا الإجراءات الملموسة لمساعدة الناس بالفعل، لا بالقول والتصريحات فقط. التعافي بحاجة إلى سنوات، فلنبدأ الآن.
زيزي إسطفان
نداء الوطن

