عاد الكثير من الجنوبيين إلى مدنهم وقراهم إثر وقف إطلاق النار، حاملين في أذهانهم صور الاستغلال الذي عانوه بفعل ارتفاع الإيجارات في معظم المناطق التي نزحوا إليها منذ 2 آذار الماضي، إذ تجاوزت الإيجارات في أغلب الأحيان، 3 أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، وحتى قبل الجولة السابقة؛ أي بين 23 أيلول و27 تشرين الثاني 2024، حين كانت الصدمة الأولى من تحليق الإيجارات على وقع موجة النزوح الكبيرة للجنوبيين.
ورغم الصدمة، بدا مفهوماً استغلال أصحاب المنازل للحرب، على أنّها "موسم" يمكن الاستفادة منه، خصوصاً في القرى البعيدة في الشوف والجبل والمتن وشمال لبنان. لكن ما لم يكن في الحسبان، أن يعود الجنوبيون إلى بعض القرى، إثر وقف إطلاق النار، ليصطدموا بارتفاع كبير للإيجارات، مع طلب دفع أشهر إضافية مسبقاً، إضافة إلى "عمولة". وللحدّ من هذه الظاهرة، اتّخذت بعض البلديات إجراءات تعيد الأمور إلى سياقها الطبيعي، وتمنع الاستغلال والتجارة في زمن الحرب.
ظلم ذوي القربى
فوجئ أهالي منطقة صور وضواحيها بالمبالغ المرتفعة التي يطلبها أصحاب المنازل. ويُجمع مَن فقدوا منازلهم على أنّ رحلة البحث عن منزل للإيجار، صعبة جداً. فالمنازل المعروضة للإيجار قليلة، فيما الطلب مرتفع، وهو الأمر الذي أدّى إلى ارتفاع كبير لقيمة الإيجارات. على أنّ المبالغ المطلوبة "تشبه التي طلبها أصحاب المنازل في المناطق التي توجّه إليها النازحون هرباً من الجنوب"، على حدّ تعبير أحد النازحين من بلدة عيتا الشعب، إلى مدينة صور، الذي يقول لـِ "المدن" إنّ النزوح المستمر منذ نحو 3 سنوات "استنزف كل الإمكانات المادية المتاحة، خصوصاً في الحرب الأخيرة". ويوضح النازح أنّ المؤلم في رحلة النزوح والبحث عن منزل بإيجار مناسب، هو "ظلم ذوي القربى الذي يكون أشدّ من ظلم الغرباء. فالإيجارات التي طُلِبَت في المناطق خارج الجنوب، عدنا ووجدناها في الجنوب، في حين أنّه يفترض بابن البيئة التي عانت النزوح والإيجارات المرتفعة، أن يشعر مع الناس ولا يطلب ما طلبوه في المناطق الأخرى".
بالتوازي مع ذلك، وبسبب الإيجارات المرتفعة، فضّلت هلا حلاوي، ابنة مدينة صور، ترميم ما أمكن في بيتها الذي كان ضحية استهداف مبنى مجاور. على أنّ الترميم "يبقى جزئياً بسبب الخوف من إمكانية تجدد الحرب في أي لحظة، إضافة إلى المبالغ المالية الكبيرة المطلوبة للترميم". وبناءً عليه، لجأت حلاوي إلى إصلاح ما يلزم لتتمكّن من البقاء في البيت مع ابنها. أمّا خيار استئجار منزل آخر "فغير وارد بسبب ارتفاع التكلفة". وتقول حلاوي لـِ "المدن" إنّ الإيجارات المتعارف عليها في المدينة "لا تقل عن 700 دولار. علماً أنّ المنازل المعروضة للإيجار قليلة مقارنة بحجم الطلب، إذ إنّ الأبنية المدمّرة كثيرة جداً. وأبناء صور يفضّلون البقاء في المدينة على التوجّه نحو القرى المحيطة، ولذلك هناك مشكلة في عدد المنازل المعروضة للإيجار، ومشكلة أخرى تتعلّق ببدل الإيجار المرتفع".
في المقابل، المستأجرون الذين لم تتضرّر منازلهم، عادوا إليها تحت وطأة مطالبة المالكين بدفع الإيجارات الشهرية. وتوضح حلاوي أنّ "المطالب تتفاوت بين مَن يصرّ على الأجرة الشهرية كاملة، ومَن يطالب بجزء منها، غالباً ما تكون نصف الأجرة المتّفق عليها قبل الحرب". وفي الوقت نفسه، هناك مَن رَفَعَ قيمة الإيجار، ابتداءً من شهر تموز الجاري.
البلديات تتدخّل
في محاولة لتقليل الضغط المادي على الناس، عمدت بعض البلديات إلى الطلب من أصحاب المنازل الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي، عدم رفع الإيجارات، واعتماد القيمة المعتمدة قبل الحرب. وفي حال أصرّ المالك على التعديل، أن يكون التعديل مقبولاً. ووضعت بعض البلديات سقوفاً للإيجارات ومنعت تجاوزها، سواء للمنازل الفارغة أو المفروشة.
وانطلاقاً من ذلك، طلبت بلدية صور عبر بيان "مراعاة الأسر التي عانت من النزوح والتهجير والخسائر الناتجة عن الحرب، والوقوف إلى جانبها في هذه المرحلة الدقيقة". وشدّدت على "الامتناع عن فرض زيادات غير مبرّرة أو مُبالغ فيها على بدلات الإيجار، واعتماد أسعار منطقية وعادلة تراعي الظروف الاستثنائية التي يعيشها الأهالي". وذكّرت بـِ "ضرورة تنظيم وتسجيل جميع عقود الإيجار لدى بلدية صور وفق الأصول القانونية، حفاظاً على حقوق جميع الأطراف وضماناً للشفافية وحسن التنظيم".
ومع ذلك، تؤكّد حلاوي أنّ "الالتزام بتوجيهات البلدية لناحية مراعاة الظروف الصعبة وعدم المطالبة بإيجارات مرتفعة، لم يكن على قدر التوقّعات. فأصحاب المنازل لا يزالون يطلبون إيجارات مرتفعة، انطلاقاً من حاجتهم المادية هُم أيضاً. ولذلك هي معضلة لا يمكن حلّها بسهولة".
في تجربة إيجابية، كانت بلدية حارة صيدا من أولى البلديات التي طلبت من أصحاب المنازل عدم استيفاء إيجارات مرتفعة من النازحين، ذلكَ في ذروة الحرب. وفي حديث لـِ "المدن" يشير رئيس البلدية مصطفى الزين إلى أنّ "التجاوب مع طلب البلدية كان كبيراً جداً وبلغ نسبة 95 بالمئة". ويشير إلى أنّ البلدية خلال الحرب "استدعت السماسرة الذين أخذوا أجرة شهر إضافي من المستأجر، وتمّت إعادة جزء كبير من المبلغ المستوفى". وعلى سبيل المثال، السمسار الذي تقاضى 700 دولار لقاء تأمين المنزل للمستأجر "أعطيناه 100 دولار وأعاد الباقي للمستأجر. وكذلك فعلنا مع أصحاب المنازل الذين أخذوا مبالغ كبيرة". وأوضح الزين أنّ "معدّل أجرة المنازل في الحارة بلغ نحو 400 دولار. ونتيجة الخطوة التي قمنا بها، أعدنا للنازحين نحو 340 ألف دولار من السماسرة وأصحاب البيوت".
وفي تجربة مماثلة، انطلقت بلدية معركة من "التسامح والأدبيات في التعامل"، وفق ما يقوله رئيس البلدية عادل سعد، الذي يوضح لـِ "المدن" أنّ التجاوب مع قرار البلدية "تراوح بين 80 إلى 90 بالمئة". ويلفت سعد النظر إلى أنّ البلدية طلبت من المستأجرين إبلاغها عن أي إيجار مرتفع. علماً أنّ "الإيجارات المعتمدة في القرية للمنازل الفارغة، لا تتجاوز الـ 300 دولار، فيما المنزل المفروش لا يتجاوز الـ 500 دولار. مع استثناء المنازل التي يتوافق أصحابها مع المستأجرين على إيجار معيّن لقاء ميّزات مطلوبة في المنزل، كألواح الطاقة الشمسية أو ديكورات معيّنة". وبالنسبة للإيجارات المتراكمة على الأشهر الأربعة التي نزح خلالها أغلب سكّان القرية، يؤكّد سعد أنّ البلدية "أصدرت بلاغاً يطلب من أصحاب المنازل التوصّل إلى تسوية منصفة مع المستأجرين، على قاعدة المثل القائل: لا يموت الديب ولا يفنى الغنم. والتجاوب في هذا الموضوع كبير جداً، لأن أصحاب المنازل يعتاشون من أجرتها". وفي حال إصرار صاحب المنزل على تأجيره بقيمة مرتفعة "نلجأ إلى احتساب الرسوم القانونية انطلاقاً من القيمة التأجيرية. وهذا ما يرفع المبلغ المطلوب من صاحب المنزل تسديده للبلدية". والقاعدة التي تنطبق على المنازل، تنطبق على المحال التجارية المستأجرة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ رئيس بلدية الكفور (في النبطية) خضر سعد، كان حذّر في بيان، أصحاب المنازل والسماسرة، من أنّ "البلدية لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل من يستغل حاجة المواطنين وظروفهم الصعبة". وحدّد سقوفاً لبدلات الإيجار، ومنها على سبيل المثال، أن "لا تتجاوز إيجار المنزل المؤلّف من 4 غرف الـ 200 دولار، فيما يجب ألا تتجاوز المنازل ذات الـ 5 غرف، الـ 350 دولار. أما الشقق المفروشة، فيجب ألا تتجاوز أجرتها الـ 500 دولار للشقق ذات الـ 5 غرف وما فوق". ودعا سعد المواطنين إلى "الإبلاغ عن أي مخالفة أو تجاوز لهذه التسعيرة"
على وقع جولات الحرب وما يواجهه الجنوبيون من استغلال لم تتدخّل معظم البلديات لمنعه، وكذلك الوزارات المعنية، تحت حجّة أن لا قانون يلزم صاحب الملك بإيجار محدّد، أيقن الجنوبيون أنّهم وسط غابة يُتاح فيها للقوي أكل الضعيف، بلا رادع. فيما بعض المحاولات القليلة، تبقى قاصرة عن استباق عودة الحرب ومنع الاستغلال مع تكرار رحلة النزوح الصعبة. ويبقى السؤال الأهم وسط أمام هذا الواقع: هل ما زال للجنوبيين قدرة على مواجهة نزوح جديد؟.
المصدر: المدن
الكاتب: خضر حسان

