صحافة

تركيا ورسم خرائط التحالف: إقناع ترامب بخطر نتنياهو



 

 

تشهد المنطقة ولادة تكتلات بين عدد من دولها لمواجهة مشروع إسرائيل التوسّعي الذي يعبّر عنه باستمرار رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. تسعى هذه التكتلات إلى بناء تفاهمات مع الولايات المتحدة الأميركية في سبيل الضغط على إسرائيل لدفعها إلى وقف حروبها والانسحاب من الأراضي التي تحتلها. غالبية هذه الدول ترتبط بعلاقات تحالفية واستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، وعلى رأسها تركيا التي تصعّد من لهجتها ضد تل أبيب، وتستعد لاستقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمشاركته في قمة الناتو. وجّهت تركيا دعوة أيضاً للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع للمشاركة في العشاء الذي تنظّمه وسيحضره ترامب. أخبار عاجلة

 

حلول أنقرة

 

 

قبل فترة، خرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتصريح واضح يقول فيه: "إن أمن تركيا من أمن دمشق وحلب وبيروت" وذلك ردٌ واضح على التهديدات الإسرائيلية لتركيا أو لسوريا ولبنان. تعمل أنقرة على الاستثمار بعلاقتها القوية بترامب لأجل تحسين وضعيتها وموقفها، وتستثمر بالعلاقة الجيدة مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك لإقناع الأميركيين برؤيتها للمنطقة، التي عاد أردوغان وعبّر عنها في مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، حين قال إنه لا يمكن للحلول التي تفرض على المنطقة من الخارج أن تدوم، وهذا يعني أنّ تركيا تبحث عن حلول مشتركة بين دول المنطقة.

 

 

أرسلت أنقرة أكثر من رسالة إلى المسؤولين اللبنانيين حول ضرورة التقارب والتنسيق، ولإجراء زيارات متبادلة. بعد زيارة نائب رئيس الحكومة طارق متري، تشير المعلومات إلى أنّ رئيس الحكومة نواف سلام يحضّر لزيارة إلى تركيا، إضافة إلى إبداء الاستعداد التركي الدائم لتقديم مساعدات عسكرية للجيش اللبناني، وإبداء أنقرة استعدادها لنشر قوات من حلف الناتو غالبيتها من الجيش التركي في الجنوب لضبط الوضع فيه، كما أنَّ تركيا تسهم بفعالية إلى جانب السعودية، قطر ومصر في تحسين وتطوير العلاقات اللبنانية السورية، التي تجلَّت مؤخراً بزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان ولقاء مختلف المسؤولين فيه، وبعدها جاءت زيارة الشيباني إلى دولة قطر حيث تضطلع الدوحة بدور بارز سواء على خط أميركا إيران، أو على خط لبنان، والمساعي التي تبذلها مع الأميركيين لوقف العمليات العسكرية بالكامل ووضع جدول للانسحاب من الجنوب. 

 

ضغوط تركيا... هل تنتج انفراجات؟

 

في السياق، تشهد العلاقات اللبنانية السورية المزيد من التطور، تماماً كما هو الحال بمسار العلاقات العراقية السورية. في كل ذلك يمكن التماس دور أو يد للمبعوث الأميركي توم باراك ولتركيا أيضاً. كما أنه يسجل تزامن في زيارة رئيس الوزراء العراقي للولايات المتحدة الأميركية في منتصف هذا الشهر، مع زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وهذا يعني رعاية أميركية مباشرة للعلاقات بين العراق وسوريا، من دون إغفال مسألة تحضير رئيس الجمهورية جوزاف عون لزيارة إلى الولايات المتحدة ولقاء ترامب.

 

تتحضر أنقرة لطرح رؤيتها بالتعاون مع دول عربية عديدة، ولكنَّ الأساس يبقى في ما سيبحثه أردوغان مع ترامب، مع مطالبة تركيّة للأميركيين بضرورة الضغط على إسرائيل لدفعها إلى الانسحاب من جنوب لبنان وجنوب سوريا. ومن بين ما يقوله المسؤولون الأتراك، هو أنّ أميركا التي تريد إعادة ترتيب الوضع في المنطقة، مصلحتها تكمن في تكريس الاستقرار لا السماح لإسرائيل ونتنياهو بمواصلة الحروب، وأنَّ تركيا تريد أن تبني على اتفاق إسلام آباد الذي أوقف الحرب في المنطقة، للانطلاق منه ووقف الحروب الإسرائيلية الأخرى في لبنان أو حتى في سوريا، لا سيما أنّّ أنقرة تأخذ في الحسبان المطامع الإسرائيلية في سوريا والاستعداد لمواصلة العمليات العسكرية والضغط على النظام السوري الجديد. ما سيرتكز عليه أردوغان لإقناع ترامب هو المشروع الأميركي وأساسه الاستقرار، بينما نتنياهو هو عنوان تهديد هذا الاستقرار في المنطقة، وتخريب أي مسار يمكن الاستفادة منه سياسياً أو اقتصادياً. 

 

تحالفات عربية إقليمية

 

تعلم أنقرة أنّ أميركا تريد إنهاء نفوذ إيران في المنطقة، وإرساء سلطة إيرانية تبني تفاهمات أو اتفاقات مع الولايات المتحدة، لكنَّ المؤكَّد أنّه ليس من مصلحة تركيا دخول إيران في حالة فوضى ولا سقوط النظام، بخلاف المشروع الإسرائيلي. لذلك فإنّ تركيا تعمل على أكثر من خط في هذا المجال.. أولاً المساهمة في وقف الحرب الأميركية الإسرائيلية، وثانياً استمرار التواصل مع الإيرانيين، وثالثاً خلق مساحات تقاطع مع الأميركيين. في المقابل يبرز اهتمام تركيا بوضع المنطقة وبناء تحالفات مع دول إقليمية أو خليجية أو عربية، يتركّز الاهتمام حاليّاً على منطقة المشرق العربي، من فلسطين إلى سوريا فلبنان. وهدفها منع إسرائيل من تحقيق مشروعها في هذه الدول، بينما تحاول هي أن تطرح البدائل، على قاعدة أنَّ استقرار المنطقة مصلحة للجميع، وهي تركز على مجالات التعاون الاقتصادي لتعزيز العلاقات السياسية. 

 

مشاريع تتخطى السياسة .. الاقتصاد أساسها

 

هنا يبرز مشروع ترابط اقتصادي يبدأ من تركيا يمتد إلى العراق وسوريا فلبنان والأردن وصولاً إلى الخليج. تعتبر واشنطن أنّ تعزيز مثل هذا المشروع على المستويات الاقتصادية، الاستثمارية، وممرات التجارة وخطوط النفط من شأنه أن يثبّت لها نفوذها بشكل بعيد المدى بينما تقوية هذه الدول وعلاقاتها مع بعضها بعضاً يسهم في تطويق النفوذ الإيراني، والأهم محاولة لوضع حد للتغول الإسرائيلي. وهنا لا يمكن إغفال العدد الكبير من الشركات الأميركية التي تدخل إلى سوريا والعراق بحثاً عن استثمارات ولا سيما الشركات العاملة في مجال الطاقة. ولا يمكن إغفال تفعيل خط كركوك بانياس، الذي يربط حقول شمال العراق بالبحر المتوسط عبر الساحل السوري، وهذا ما يمكن للبنان الاستفادة منه أيضاً. تفعيل خط كركوك بانياس يفتح الباب أمام تصدير النفط العراقي خارج نطاق إيران أو مضيق هرمز. 

 

لكنَّ مصلحة إسرائيل تتعارض مع مصلحة هذا المشروع وهذي الدول، لذا تبدو إسرائيل هي الدولة الساعية دوماً إلى تخريب أيّ مسار من مسارات التهدئة وبناء التفاهمات أو التكتلات بين دول المنطقة، وهي تصرُّ على مواصلة الضغط العسكري والأمني والسياسي سواء بادعاء الاستعداد لمواجهة تركيا، أو من خلال الضغط العسكري على لبنان وسوريا معاً، واستدارجهما إلى اتفاقات معها بمعزل عن أي مظلة إقليمية، لتُحقق تقدُماً تطوّق من خلاله تركيا أو أي دولة عربية أخرى.

 

منير الربيع- المدن