صحافة

يبكون في طهران ويهددون في بيروت: هل انتهى زمن فرض المعادلات؟



تستعر الحملة المسعورة من قبل أبواق "حزب الله" على رئيس الجمهورية جوزاف عون، مع اقتراب تطبيق المناطق التجريبية في الجنوب وتوقّع تحديد موعد له لزيارة واشنطن الشهر الجاري.

وفي وقت يعمل خلاله عون على لملمة الدمار والاحتلال اللذين تسبّب بهما "حزب الله"، وإيقاف نهري الدموع والدماء، كان مسؤولو "الحزب" يذرفون دموعًا في طهران على خامنئي، وهم الذين لم يذرفوا دمعة واحدة على آلاف الضحايا الذين سقطوا من أطفال ونساء وأبرياء اتخذهم وقودًا في مشاريعه الرذيلة. فمن شاهد نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي يجهش بالبكاء أمام ضريح خامنئي، وإلى جانبه الوزير السابق محمد فنيش غير المتمالك نفسه، والنواب حسن عز الدين وعلي فياض وإيهاب حمادة يذرفون الدموع بغزارة، يتساءل: لماذا لم نركم، يا تُرى، تكفكفون دموع اليتامى والأرامل، أو حتى تبحثون عن مئات المفقودين تحت الأنقاض، أو تسقطون دمعة حسرة على دمار الجنوب وتهجير الجنوبيين؟

على كل حال، لم نعد نرى حاليًا سوى حزب يقف على أطلال جنوب الليطاني يتباهى بتهديد الداخل بالفوضى والحرب الأهلية، علمًا أن السؤال لدى الدوائر الغربية لم يعد يدور حول عدد الصواريخ التي يمتلكها أو عدد مقاتليه، بل حول ما إذا كان "حزب الله" لا يزال يمتلك القدرة على فرض معادلاته على لبنان كما كان يفعل طوال العقدين الماضيين.

الإجابة التي تتكرر في معظم الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث الأميركية والأوروبية والإسرائيلية تكاد تكون واحدة: "حزب الله" لم يعد القوة القادرة على فرض قواعد اللعبة كما في السابق، عندما كان مجرد التلويح بالقوة كفيلا بإسقاط حكومات أو تعطيل انتخابات أو فرض تسويات.

هذا الاستنتاج لا يصدر عن خصوم "الحزب" في الداخل اللبناني، بل عن مؤسسات بحثية تتابع الملف اللبناني منذ سنوات، وتعتبر أن الحربين الأخيرتين شكلتا نقطة تحول استراتيجية في موقع "الحزب" داخل لبنان والإقليم.

نهاية مرحلة "الفيتو"

يرى The Washington Institute أن المجتمع الدولي انتقل من سياسة إدارة نفوذ "حزب الله" إلى سياسة العمل على تقليصه عبر ربط إعادة الإعمار، والمساعدات المالية، ودعم الدولة اللبنانية، بتعزيز احتكارها للسلاح وقرار الحرب والسلم.

بمعنى آخر، فإن حصر السلاح أصبح بندًا أساسيًا في أي نقاش دولي حول مستقبل لبنان.

أما CSIS (Center for Strategic and International Studies) فيعتبر أن الحرب فتحت نافذة نادرة لإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية، وأن نجاح هذا المسار يتطلب منع "حزب الله" من استعادة موقعه السابق كقوة موازية للدولة.

ويشير المركز إلى أن الرهان الدولي لم يعد يقوم على مواجهة عسكرية شاملة مع "الحزب"، بل على تقليص قدرته على التحكم بالمشهد اللبناني عبر المؤسسات الشرعية والضغوط الاقتصادية والسياسية.

أما Institute for National Security Studies (INSS) في تل أبيب، فيخلص إلى أن "الحزب" انتقل من مرحلة المبادرة إلى مرحلة الدفاع عن المكتسبات.

فبعدما كان يحدد قواعد الاشتباك ويضع الخطوط الحمراء، بات اليوم منشغلا بالحفاظ على ما تبقى من منظومته العسكرية، وبمنع فرض وقائع جديدة عليه في الداخل اللبناني.

لماذا يرتفع خطاب الحرب الأهلية؟

يرى عدد من الباحثين الغربيين أن التلويح بالحرب الأهلية لا يعني وجود قرار بخوضها. بل قد يكون مؤشرًا إلى أن "الحزب" يدرك أن أدوات الضغط التي امتلكها سابقًا لم تعد تحقق النتائج نفسها، فيلجأ إلى رفع كلفة أي محاولة لتغيير ميزان القوى عبر التخويف من الفوضى والانهيار. كما يربط باحثون آخرون هذا الخطاب بتراجع أدوات الردع السياسي.

بعبارة أخرى، يصبح التهديد جزءًا من استراتيجية الردع السياسية، وليس مؤشرًا إلى قرار بخوض مواجهة داخلية.

المفارقة التي تشير إليها الدراسات الغربية أن "الحزب" لم يخسر فقط قادة أو بنى تحتية أو مخازن أسلحة. الخسارة الأهم، بحسب هذه الدراسات، هي تراجع صورة "القوة التي لا يمكن تحديها".

وهذه الصورة كانت طوال السنوات الماضية أحد أهم عناصر نفوذه، لأنها كانت تدفع خصومه إلى التراجع.

أما اليوم، فإن الدولة اللبنانية تناقش علنًا ملف حصرية السلاح، والعواصم الغربية والعربية تتحدث عن تنفيذ هذا الهدف باعتباره جزءًا من أي تسوية طويلة الأمد. حتى إن النقاش لم يعد محصورًا بخصوم "الحزب". فحتى داخل البيئة الشيعية، بدأت تظهر تساؤلات متزايدة حول كلفة الحروب، وجدوى المعارك العسكرية، وتأخير إعادة الإعمار.

معركة النفوذ لا معركة السلاح

لذلك، فإن المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة هي ما إذا كان "حزب الله" سيستطيع الحفاظ على ما تبقى منه، ولا سيما أن مراكز الدراسات الغربية تقول إن "الحزب" انتقل من مرحلة فرض المعادلات إلى مرحلة الدفاع عنها. وآخر إبداعاته محاولة تسويق مسوّدة الاستراتيجية الدفاعية التي توصل إليها من أجل الالتفاف على أي تحرك باتجاه سلاحه. وفي المعلومات أن أبواقًا محددة في "الحزب" تبلغت الاستعداد لحملة تسويق لهذه الاستراتيجية، معطوفة على لغة التهديد المعتمدة إزاء أي خطوة مستقبلية لنزع السلاح.

في المحصلة، الوقت يداهم الجميع، والأسابيع المقبلة حاسمة.

المصدر: نداء الوطن

الكاتب: نخلة عضيمي