ذكر موقع "The Atlantic Council" الأميركي أنه "عندما شنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزوًا شاملًا لأوكرانيا في شباط 2022، كان يتوقع نصرًا سريعًا وكاملًا يمحو ظلم انهيار الاتحاد السوفيتي ويعيد لروسيا مكانتها كقوة عظمى؛ لكن يبدو الآن أن هذا كان أحد أسوأ الأخطاء في التاريخ الحديث. واليوم، يجد بوتين نفسه عالقًا في أكبر حرب أوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، وسط مؤشرات متزايدة على أن الكفة تميل لصالح أوكرانيا".
وبحسب الموقع: "في عام 2022، كان الجيش الروسي الغازي واثقاً جداً من النصر لدرجة أن بعض الجنود، بحسب التقارير، حزموا بزاتهم العسكرية لارتدائها خلال عرض النصر المرتقب في كييف؛ لم يكن أحد ليتخيل أنه بعد أربع سنوات، سيضطر بوتين إلى تقليص حجم عرض يوم النصر الروسي التقليدي في موسكو بشكل كبير، خشية هجوم أوكراني محتمل. ومع ذلك، هذا بالضبط ما حدث في أيار 2026. حتى أن بوتين تواضع من خلال دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمساعدة في التوسط في وقف إطلاق نار مؤقت، بينما زاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من انزعاج نظيره الروسي الواضح من خلال إصدار مرسوم رئاسي صوري يسمح بإقامةالعرض العسكري".
وتابع الموقع: "لم تكن هزيمة يوم النصر هذا العام سوى واحدة من بين عدة مؤشرات في الأشهر الأخيرة على أن غزو بوتين يتلاشى بسرعة. ففي أوائل حزيران، احتفلت أوكرانيا بافتتاح منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، الذي يُعدّ الحدث الأبرز لبوتين، بقصف محطة النفط والقاعدة البحرية في المدينة؛ وقد شكّل هذا الأمر إحراجًا شخصيًا كبيرًا للرئيس الروسي، الذي لم يستطع منع الوفود الأجنبية الزائرة من ملاحظة أعمدة الدخان الكثيفة التي غطّت المدينة أثناء توجهها إلى مكان انعقاد المنتدى. إن إنجازات حملة القصف الاستراتيجي الأوكرانية هذا العام تتجاوز بكثير مجرد تعطيل استعراض بوتين العسكري ومنتدى حواره الرئيسي؛ فمنذ مطلع عام 2026، نجحت الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة الأوكرانية المتصاعدة على أهداف عسكرية وصناعية داخل روسيا في إعاقة آلة الحرب الكرملينية وإشعال أزمة وقود تُهدد بزعزعة استقرار الجبهة الداخلية لبوتين. وفي الوقت نفسه، أكدت سلسلة من الهجمات الواسعة النطاق على موسكو قدرة أوكرانيا المتنامية على نقل الحرب إلى روسيا".
وأضاف الموقع: "يمثل نجاح أوكرانيا تحديًا مباشرًا للعقد الاجتماعي غير المعلن بين الكرملين والشعب الروسي. فعلى مدى سنوات، وعد بوتين المواطنين الروس العاديين بتحسين مستوى معيشتهم، متعهدًا بحمايتهم من التداعيات السلبية لحروبه؛ وفي المقابل، كان يُتوقع من عامة الشعب النأي بأنفسهم عن السياسة. ومع تعرض المدن الروسية للقصف المتكرر، واضطرار ملايين الأشخاص للوقوف في طوابير لساعات بحثًا عن الوقود، بدأ هذا الاتفاق غير الرسمي يبدو قديماً. إن الوضع الراهن في شبه جزيرة القرم التي تحتلها روسيا يثير قلقاً بالغاً لدى الكرملين. ففي الأشهر الأخيرة، فرضت أوكرانيا ما تسميه "حصاراً لوجستياً" على شبهالجزيرة ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة على البحر الأسود، مستخدمةً طائرات مسيّرة لاستهداف كل طرق الإمداد الرئيسية؛ وقد أجبر هذا السلطات على تقييد بيع الوقود للمدنيين وإعلان حالة الطوارئ".
وبحسب الموقع: "لا تبدو حظوظ روسيا في ساحة المعركة أفضل حالاً. فقد واجه جيش بوتين صعوبة بالغة في تحقيق أي تقدم يُذكر في عام 2026، حيث تم تعويض المكاسب الإقليمية الطفيفة في كثير من الحالات بهجمات مضادة أوكرانية ناجحة في مناطق أخرى على طول خطوط المواجهة؛ ويأتي هذا التعثر رغم استمرار الخسائر الفادحة، إذ قدّرت المملكة المتحدة في أواخر أيار أن روسيا فقدت نحو نصف مليون جندي منذ بدء الغزو. وواجه بوتين أيضاً سلسلة من النكسات على الساحة الدولية. فمنذ بداية العام، خسرت روسيا حلفاء رئيسيين في فنزويلا والمجر، بينما أثبتت جهودها لترهيب أرمينيا أنها تأتي بنتائج عكسية، بل وقوّضت النفوذ الروسي في منطقة جنوب القوقاز؛ وقد أبرزت هذه الضربات تراجع مكانة روسيا على الساحة العالمية نتيجة لفشل غزو أوكرانيا. في غضون ذلك، باءت جهود الكرملين لتقويض الدعم الدولي لأوكرانيا بالفشل. تنفس الكثيرون في موسكو الصعداء عندما فاز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2024، لكنه أثبت عجزه عن إنهاء الحرب بشروط ترضي روسيا. في المقابل، ضاعفت أوروبا مساعداتها العسكرية لكييف بشكل كبير، فاشترت أسلحة من الولايات المتحدة وزادت تمويلها المباشر للمجهود الحربي الأوكراني بشكل ملحوظ. ومع الاعتراف على نطاق واسع بأن أوكرانيا لا غنى عنها لمستقبل الأمن الأوروبي، فمن المرجح أن يستمر هذا الدعم المتزايد".
وتابعت الصحيفة: "لا يعني أيٌّ من هذا أن الحرب قد شارفت على الانتهاء؛ بل على العكس، فقد ردّ بوتين على تراجع شعبيته بتشديد الرقابة على الإنترنت داخل روسيا وتصعيد الهجمات على المدنيين الأوكرانيين، وتتزايد التكهنات أيضاً بأن موسكو قد تُحضّر لعملية عسكرية محدودة في منطقة البلطيق لزيادة حدة التوتر وإجبار أوروبا على التخلي عن دعمها لأوكرانيا. كما ولا يُرجّح أن ينفد جيش بوتين في أي وقت قريب؛ فرغم تردده الشديد في الشروع في تعبئة جماهيرية محفوفة بالمخاطر السياسية، فإنه سيفعل ذلك على الأرجح إذا كان البديل هو الاعتراف بالهزيمة في أوكرانيا. لن يحظى هذا الأمر بشعبية، لكن من غير المرجح أن يُثير أي اضطرابات كبيرة. وفي ظل غياب حركة مناهضة للحرب أو معارضة سياسية حقيقية في روسيا، يبدو أن فرص مواجهة بوتين لتحديات داخلية ذات صدقية لسيطرته على السلطة ضئيلة. ورغم أن روسيا ليست على وشك الانهيار، إلا أنه لا مفر من حقيقة أن بوتين أكثر عرضة للخطر حاليًا من أي وقت مضى منذ انتصارات أوكرانيا الميدانية خلال السنة الأولى من الغزو. وينبغي على القادة الغربيين السعي لاستغلال هذا الضعف لضمان سلام مستدام من خلال تعزيز الدعم لأوكرانيا".
وأضافت الصحيفة: "أكدت الأشهر الثمانية عشر الماضية من الجهود الفاشلة للتفاوض على سلام توافقي أن بوتين لن يتوقف حتى يتم إيقافه. والآن، أمام أوكرانيا وحلفائها فرصة سانحة لتحقيق ذلك. ستتطلب الأشهر المقبلة عزيمةً كبيرةً من العواصم الغربية، في ظل محاولات بوتين اليائسة والمتزايدة للتملص من المأزق الذي يجد نفسه فيه. وخلال كل ذلك، يجب على شركاء أوكرانيا التركيز على هدف إرساء السلام بالقوة؛ وإذا لم يغتنموا هذه الفرصة، فإن ثمن إيقاف بوتين سيرتفع لا محالة".
