خاص

خاص: فايز مشموشي - الإطار التفاوضي المعلق: إعلان سياسي أم إدارة للوقت



بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي

أسبوعان مرا على الإعلان عما سُمّي بـ”الإطار التفاوضي”، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين هذا الإطار؟ وهل هو اتفاق حقيقي، أم مجرد عنوان سياسي أُطلق لإدارة الوقت واحتواء الضغوط، فيما تستمر الوقائع العسكرية في رسم المشهد بعيدًا عن أي التزام معلن؟

حتى اللحظة، لا يبدو أن الجنوب اللبناني لمس أي تغيير فعلي. فالعمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف، وأعمال الهدم والتجريف مستمرة، والوجود العسكري الإسرائيلي في عدد من المناطق اللبنانية المحتلة لم يتراجع، بل يبدو وكأنه يرسخ نفسه أكثر فأكثر. أما الحديث عن التهدئة، فلا يزال حبيس البيانات السياسية، بينما تبقى المسيرات فوق العاصمة بزورتها و  الوقائع الميدانية هي صاحبة الكلمة الفصل.

في المقابل، لا يزال الجانب التنفيذي لما يسمى “الإطار” غارقًا في التفاصيل. لجنة عسكرية مشتركة لم يكتمل تشكيلها، وآليات تنفيذية لم تُحسم، ومناطق تجريبية يجري الحديث عنها دون جدول زمني واضح، و غرفة عمليات أميركية في السفارة قيد التجهيز ونقاشات حول انتشار الجيش اللبناني وصلاحياته وفحص وطنية عناصره وقدرته على تنفيذ المهام المطلوبة. وكأن المطلوب من لبنان أن ينجز كل الاستحقاقات، فيما لا يترتب على إسرائيل أي التزام فوري أو واضح.

والمفارقة أن “الإطار” الذي قُدّم على أنه مدخل للاستقرار، تحول إلى إطار لتعليق الاستقرار نفسه. فلا انسحاب إسرائيلي بدأ، ولا جدولًا زمنيًا أُعلن، ولا ضمانات دولية ظهرت ولا وقفا شاملا للنار نفذ، فيما يستمر الاحتلال في فرض وقائع جديدة على الأرض، مستندًا إلى مبدأ تعلنه الحكومة الإسرائيلية بوضوح: حرية العمل العسكري ستبقى قائمة كلما رأت إسرائيل أن هناك تهديدًا لمصالحها الأمنية.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية. فإذا كانت إسرائيل تعتبر أن قرارها العسكري مستقل عن أي تفاهم، فما الذي بقي من قيمة هذا “الإطار”؟ وهل أصبح مجرد مظلة سياسية تمنح الوقت لاستكمال ترتيبات إقليمية أكبر، فيما يبقى الجنوب اللبناني ساحة انتظار؟

اللافت أيضًا أن مصير هذا المسار يبدو مرتبطًا بما يجري خارج لبنان أكثر مما يرتبط بما يجري داخله. فالمفاوضات الإيرانية الأميركية لم تصل بعد إلى خواتيمها، والملف اللبناني لا يزال يتأثر بإيقاعها. كما أن اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو قد يرسم اتجاه المرحلة المقبلة، سواء عبر دفع المسار التفاوضي نحو التنفيذ أو عبر منح إسرائيل هامشًا سياسيًا أوسع للاستمرار في فرض معادلاتها الميدانية للسيطرة عما فشلت به في وقت سابق.

أما الدولة اللبنانية، فتبدو وكأنها تراهن بالكامل على نجاح الوساطة الأميركية، من دون أن تمتلك بدائل واضحة إذا طال أمد المفاوضات أو تعثر تنفيذها. وهكذا يصبح الانتظار سياسة، فيما يتحول الوقت إلى عامل يصب في مصلحة الطرف الذي يواصل تغيير الوقائع على الأرض.

اليوم، لم يعد السؤال متى يبدأ تنفيذ “الإطار”، بل ما إذا كان هذا الإطار موجودًا أصلًا بصيغته التنفيذية، أم أنه مجرد عنوان سياسي أُعلن قبل اكتمال عناصره. فالواقع يوحي بأن ما عُلّق حتى الآن ليس صورة الاتفاق، بل السيادة اللبنانية نفسها، بينما يبقى جنوب لبنان معلقًا بين وعود الدبلوماسية وحقائق الميدان.

قد يكون هذا “الإطار” إنجازًا على الورق، لكنه حتى الآن لم يثبت أنه أكثر من إطار فارغ ينتظر صورة لم تُلتقط بعد، وربما لن تُلتقط قبل أن تنتهي المفاوضات الإقليمية الكبرى وتتحدد موازين القوى الجديدة. وحتى ذلك الحين، يبقى لبنان يدفع كلفة الانتظار، فيما يستمر الآخرون في كتابة الوقائع على الأرض.