محليات

النبطية مدينة منكوبة: شلّوا حياتها وطال الدمار كل نواحيها



لم تكن النبطية في قلب الاستهداف الإسرائيلي خلال الحرب المستمرة بسبب موقعها الجغرافي فحسب، بل بسبب ما تمثله أيضاً من ثقل اقتصادي وتجاري وإداري في جنوب لبنان. فمنذ أشهر، تتعرض المدينة ومحيطها لغارات متكررة، فيما بقيت المناطق المحيطة بها، الممتدة من تلال عليّ الطاهر إلى قلعة الشقيف والزوطرين، تحت الاحتلال، وهذا ما جعل مدينة تعيش على إيقاع الحرب حتى بعد إعلان ما سمي بوقف إطلاق النار.

بالنسبة إلى رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين، لا يحتاج توصيف واقع المدينة إلى كثير من البحث عن الكلمات. "النبطية مدينة منكوبة بكل ما للكلمة من معنى"، يقولها بوضوح، وهو يتجول بين الشوارع  التي تحولت أجزاء واسعة منها إلى أكوام من الركام.

فالدمار، وفق فخر الدين، لم يكن عشوائياً، بل تركز في مناطق أساسية ورئيسة داخل المدينة. "كان الهدف شلّ الحياة فيها وتحويلها إلى مدينة خالية من أهلها وسكانها"، يقول، في إشارة إلى نمط الاستهداف الذي طال المراكز الاقتصادية والإدارية والتجارية التي تشكل عصب المدينة.

السوق التراثية... ذاكرة المدينة تحت الأنقاض

في وسط النبطية القديمة، حيث بدأت الحكاية الأولى للمدينة، يبدو المشهد أكثر قسوة. هنا، في حي السرايا، أحد أقدم شوارع النبطية، كانت السوق التجارية الوحيدة حتى خمسينيات القرن الماضي. من هذا المكان تفرعت الأحياء الأخرى، ومن حي السراي تمددت المدينة واتسعت. هنا كان القلب النابض، وهنا كانت الحركة التجارية التي صنعت هوية النبطية لعقود طويلة.

يشرح فخر الدين أن عدوان العام 2024 ركز بصورة أساسية على الأسواق التجارية، فيما جاء عدوان 2026 ليستكمل ما بدأه سابقه، عبر استهداف ما تبقى من الأسواق التجارية والتراثية.

هذه السوق التراثية الذي أعيد ترميمها بعد حرب تموز 2006، وعادت لتحتضن الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، تحولت اليوم إلى مساحة واسعة من الخراب. واجهات مدمرة، محال سويت بالأرض، وأحياء فقدت معالمها التي اعتادها أبناء النبطية وزوارها.

استهداف الدولة قبل الأبنية

لا يقتصر حجم الخسائر على المنازل والمحال التجارية. فقبل الحديث عن الأرقام المتعلقة بالسكن، يلفت فخر الدين إلى ما يعتبره استهدافاً مباشراً لمؤسسات الدولة اللبنانية داخل المدينة.

فقد تعرض مبنى محافظة النبطية لغارة أدت إلى استشهاد 13 عنصراً من أمن الدولة. كما استُهدف مبنى مصرف لبنان، في خطوة يراها فخر الدين ذات دلالة تتجاوز البعد العسكري إلى محاولة ضرب الرمزية الاقتصادية للمدينة والمنطقة المحيطة بها.

كذلك تضررت مؤسسات رسمية عدة، بينها دائرة المالية والزراعة، فيما دُمر مركز الشؤون الاجتماعية بالكامل، وأصيب مبنى بلدية النبطية بأضرار كبيرة.

ويستعيد فخر الدين هنا ما قاله وزير المالية خلال زيارته للمدينة: "ماذا يعني استهداف مصرف لبنان؟ أليس المقصود قتل الاقتصاد وقتل روح هذه المدينة؟".

عشرة آلاف منزل متضرر و250 مؤسسة مدمرة

تكشف الأرقام الأولية جانباً من حجم الكارثة. فبحسب إحصاء أنجز قبل نحو أسبوع، سُجل تضرر أو تدمير ما يقارب 10 آلاف وحدة سكنية داخل المدينة، تتوزع بين منازل دمرت بالكامل وأخرى تحتاج إلى أعمال ترميم متفاوتة.

أما القطاع التجاري، الذي يشكل أحد أبرز أعمدة الاقتصاد المحلي في النبطية، فقد تلقى ضربة قاسية. إذ دُمر نحو 250 محلاً تجارياً بشكل كامل، إضافة إلى عدد كبير من المؤسسات التي لحقتها أضرار متفاوتة وتحتاج إلى إعادة تأهيل.

ويؤكد فخر الدين لـِ "المدن" أن حجم الدمار يتجاوز قدرات البلدية وإمكاناتها بكثير. "هذه مسؤولية تفوق قدرة بلدية، بل ربما تعجز عنها دولة بأكملها"، يقول.
 

عودة بطيئة... وإصرار على الحياة

بدأت عودة الأهالي فور إعلان وقف إطلاق النار الأخير، في حزيران. خلال الساعات الـ 48 إلى الـ 72 الأولى بعد وقف إطلاق النار، عاد نحو 2500 عائلة إلى المدينة. لكن غارة إسرائيلية استهدفت حي المسلخ دفعت عدداً من السكان إلى المغادرة مجدداً خوفاً من تجدد التصعيد، يقول فخر الدين.

مع ذلك، لم تتوقف العودة. فبعد حملات التنظيف الواسعة التي تنفذ بمشاركة البلدية والجمعيات والهيئات التطوعية ومئات المتطوعين، ارتفع عدد العائلات العائدة اليوم إلى نحو 3000 عائلة، مع استمرار تزايد الأعداد يوماً بعد يوم.

ويرى فخر الدين أن السكان يعودون لأنهم يشاهدون الحركة على الأرض وورش العمل المنتشرة في الأحياء المتضررة. "الناس يرفضون أن يكونوا أسرى قرار العدو، يحدد لهم متى يعودون ومتى يغادرون"، يقول، مضيفاً أن كثيرين بدأوا بالفعل ترميم منازلهم، فيما اضطر آخرون إلى استئجار مساكن بديلة ريثما تنتهي أعمال الإصلاح.

بين النزوح وجشع الإيجارات

أزمة السكن التي خلّفها الدمار فتحت الباب أمام ارتفاعات كبيرة في بدلات الإيجار، وهو ما يصفه فخر الدين بحالة من "الاستغلال والجشع" لدى بعض أصحاب العقارات.

ويعتبر أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها المدينة تستوجب قدراً أكبر من التضامن الاجتماعي. "لا نطلب من أحد أن يقدم منزله مجاناً، بل أن يراعي ظروف الناس الذين فقدوا بيوتهم"، يقول.

وإذ يوضح أن البلدية لا تملك صلاحية قانونية لتحديد بدلات الإيجار لأنها تخضع لقواعد العرض والطلب، يؤكد أن البلدية ستوجه نداءات متكررة إلى أصحاب العقارات لمناشدة ضمائرهم والوقوف إلى جانب أبناء مدينتهم.

ويضيف: "ليس مقبولاً أن يتحول دمار البيوت إلى فرصة للثراء وتحقيق الأرباح على حساب المأساة الإنسانية".

 

إعادة الحياة... خطوة خطوة

ورغم حجم الخراب، بدأت الخدمات الأساسية بالعودة تدريجياً. فالكهرباء أصبحت متوافرة في نحو 90 في المئة من أحياء المدينة، كما عادت خدمات المولدات الخاصة إلى العمل بصورة شبه كاملة. أما المياه، فتصل حالياً إلى نحو 80 في المئة من الأحياء، فيما تتواصل أعمال إصلاح الشبكات المتضررة في المناطق التي لا تزال تعاني من الانقطاع.

وفي ملف الردميات، يشدد فخر الدين على أن المتعهد المكلف بإزالتها ملزم بنقلها إلى مطامر تستوفي الشروط البيئية والقانونية. كما يمنع جمع الحديد والخردة أو أي مواد من الأبنية المتضررة من دون موافقة رسمية من البلدية ومن أصحاب العقارات، حفاظاً على حقوق المتضررين ومنع أي تجاوزات.

 

مدينة ترفض أن تصبح أطلالاً

في النبطية، لا يختصر الدمار المشهد كله. فبين الركام والبيوت المهدمة والأسواق المدمرة، ثمة معركة أخرى تدور كل يوم: معركة البقاء.

مدينة أرادتها الحرب خاوية على عروشها، كما يقول رئيس بلديتها، لكنها ما زالت تستقبل أبناءها العائدين. ورغم أن الجرافات ترفع الركام من الشوارع، فإن ما يُرفع فعلياً هو محاولة فرض الفراغ على مدينة اعتادت أن تنهض بعد كل حرب.

المصدر: المدن

الكاتب: نغم ربيع