محليات

من العراق الى الاقتصاد الموازي والقرض الحسن...هل تُستنسخ مكافحة الفساد العراقية في لبنان؟



تدور في الحياة السياسية عبارة دائمًا ما كان رئيس الجمهورية الأسبق كميل شمعون يرددها لإسقاط واقع السياسة في العراق على لبنان: "خلّي عينك على العراق، إذا أردت أن تعرف ماذا سيحصل في لبنان". 

استعاد النائب ميشال ضاهر عبر حسابه على منصة "إكس" في الأيام الأخيرة مقولة الرئيس شمعون، بالتزامن مع ما شهدته الساحة العراقية لأوسع حملة لمكافحة الفساد ومحاربة "اقتصاد الكاش" بتنسيق وسيق بين الحكومة الجديدة والسلطة القضائية وضغطٍ أميركيّ من البنك الفدرالي. وجاء في تغريدة ضاهر: "إن الرئيس كميل شمعون كان يردد إذا أردت أن تعرف ما سيجري في لبنان، تابع ما يجري في العراق. وأضاف: "بعدما بدأت حملة مكافحة الفساد في العراق بقيادة الحكومة العراقية وأدت إلى اعتقال عدد من السياسين ومصادرة مليارات تعود للشعب العراقي، لا بد من تهنئة الحكومة والشعب العراقيين، آملًا أن يتم قريبًا توجيه التهنئة نفسها إلى الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني". 

بدأ يرتد هذا الحصار الرقمي في العراق بخطوات إجرائية على الساحة اللبنانية، التي شهدت ملاحقات قضائية نوعية وغير مسبوقة وضغوط دولية لتفكيك قنوات التمويل الموازية.

تجفيف الاقتصاد الموازي

ما يشهده العراق ليس مجرد خطوة إدارية بل هي حرب شاملة على "اقتصاد الكاش"، تعكس متغيرات سياسية أساسية. إذ مثّل النظام المالي العراقي لسنوات الملاذ لإيران للالتفاف على العقوبات الأميركية، مستغلةً نفوذها السياسي والأمني والقضائي وغياب الرقابة على القطاع المالي العراقي. 

دفعت القواعد الجديدة من وزارة الخزانة الأميركية الدولة العراقية إلى فرض نظام الدفع الإلكترونيّ في جميع الدوائر الرسمية والقطاع النفطي. وهذه الخطوات من شأنها أن تقلل إلى الحد الأدنى من الاعتماد على العناصر البشرية في المعاملات المالية. كذلك قيّد العراق السحوبات النقدية بالدولار الأميركي ما أدى إلى قفزةٍ في طلبات الحصول على بطاقات مصرفية. 

ترافق كل ذلك مع خطوات حاسمة أساسها توقيف 19 شخصية رفيعة المستوى من مسؤولين ونواب ومصادرة عقاراتهم وحساباتهم وكمياتٍ من الأموال النقدية والذهب، وإنشاء حساب مصرفي خاص لإيداع هذه الأموال لمصلحة الشعب العراقي. 

نقلت هذه الحركة العراقية والخطوات المالية رسالةً واضحةً إلى بيروت: انتهى زمن التدفق النقدي خارج النظام المصرفي بقرارٍ دوليّ حاسم. 

هل بدأت في بيروت؟ 

لم تكد خطوات العراق تهدأ حتى بدأت تظهر ملامح محاسبة في بيروت تؤشر إلى احتمال استنساخ التجربة العراقية مع ملفات الفساد.

تمثلت هذه المؤشرات في الشكوى التي أقامها مصرف لبنان ضد حاكمه السابق رياض توفيق سلامة في ملف بيع أسهم "بنك عوده" المعروف بملف "هرمس"، حيث أثيرت شبهات حول إمكانية تواطؤ سلامة ومجموعة M1.

لم تقف خطوات مصرف لبنان عند هذا الحد، إذ رفعت دعوتان جزائيتان بحق الرئيس السابق لمجلس إدارة "بنك البحر المتوسط" محمد الحريري، والمستثمر علاء خواجة وبعض المسؤولين السابقين في المصرف المركزي. 

وبحسب المعلومات القضائيّة فإن الوزير الأسبق كميل أبو سليمان هو من تولى إعداد الهندسة القانونية في الملفين معًا. إذ تشير المعلومات إلى أن أبو سليمان وضع الإطار القانونيّ لعملية أسهم "بنك عوده"، كما أشرف على الهندسة القانونية التي يلاحق بها الحريري وخواجة. 

الجديد في خطوة المصرف المركزي أنها سابقة في الملاحقات القضائية من داخل النظام المصرفي نفسه. وهذا يدلّ على أن الملاحقات في ملفات الفساد لم تعد تقتصر على إخبارات عامة بل على ملفات موثقة بالأرقام وتواريخ الهندسات القانونية والمالية التي فتحت الأبواب أمام تبديد أموال المودعين والكسب غير المشروع.

من العراق.. إلى "القرض الحسن" 

لا يمكن فصل اندفاعة المصرف المركزي عن الضغوط الخارجية، وتحديدًا الأميركية. إذ يواجه لبنان منذ مدةٍ ضغوطًا ولوائح عقوبات أميركية تستهدف مؤسسة القرض الحسن وشخصيات بتهمة تمويل وتسهيل الأنشطة المالية لحزب الله من خارج القطاع المصرفيّ. إذ كانت العقوبات الأميركية قد شلّت 30 مصرفًا عراقيًا اعتبرتها واشنطن بنيةً تحتية لتمويل إيران. 

أدى توسع "اقتصاد الكاش"  منذ مرحلة ما بعد الانهيار المالي عام 2019 إلى اعتبار أن البلاد تحولت إلى ساحةٍ لتسهيل عمليات غسيل الأموال وتمويل الجماعات المصنفة "إرهابية" على اللوائح الأميركية. 

تضع هذه الخطوات والضعوط الأميركية على المصرف المركزي وضد "القرض الحسن" الدولة اللبنانية أمام خيار واحد، وهو أن يخطو لبنان ما خطاه العراق في التحول الاقتصاديّ نحو المعاملات الرقمية أو مواجهة العزل المالي، وهذا ما تسعى الحكومة ومصرف لبنان إلى تجنبه عبر القيام بخطوات من شأنها أن تعزز الثقة المالية بلبنان وترفعه عن اللائحة الرمادية. 

عائق السياسة 

على الرغم من جدية الحراك القضائي، إلا أن استنساخ تجربة "المداهمات والمصادرات" العراقية على الواقع في لبنان دونها عوائق سياسية. إذ يكشف مصدر قضائي لـِ "المدن" أن التوجه السياسي في لبنان من قبل رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام يقضي في مكافحة الفساد من دون أي اعتبارٍ للهوية الطائفية أو الحزبية أو السياسية. 

لكن ترجمة هذه التوجيهات قد تصطدم بالعقبات القانونية أيضًا. يتابع المصدر القضائي نفسه أن القضاء والنيابة العامة المالية لا يتحركان بشكل تلقائيّ، بل يتحركان وفق معلومات موثقة ترفعها الأجهزة الأمنية المعنية. وهنا، تكمن الثغرة بحسب المصدر، الذي يربط "المداهمات" والاعتقالات والمصادرات بورود هذه التقارير إلى القضاء لاعطاء الإشارات اللازمة. 

إذ يبقى العائق الأهم هو حسابات التوازنات الطائفية التي من شأنها أن تجعل الأجهزة الأمنية في حذر دائم في تقديم تقارير للقضاء حول شخصيات سياسية أو مالية، خشية أن يفسر أي تحركٍ كاستهداف لطائفة أو حزب بعينه.

يضيف المصدر أن غياب الرقابة المصرفية وتنامي نفوذ وعمل شركات الصيرفة غير القانونية سهلا من حركة الأموال عبر قنوات غير مرئية، تحتم وجود تعاون دولي لتفكيك شبكات الفساد في لبنان، تمامًا مثلما حصل مع العراق. 

 تؤكد دعاوى مصرف لبنان أن المحاسبة من الداخل ممكنة، ولكنها لا تكفي ما لم ترفع الحصانات السياسية والطائفية للذهاب نحو خطوات أشمل. لكن في المقابل، تبدو مقولة الرئيس شمعون قد بدأت تسري في لبنان اليوم، وتحديدًا في قطع الطريق أمام العمليات المالية خارج القطاع المصرفي. وذلك باعتباره المسلك الإلزامي الذي بات على لبنان أن يسلكه أو أن يساق إليه عبر الضغوط الأميركية. 

المصدر: المدن

الكاتب: فرح منصور