كشف أربعة مسؤولين إيرانيين مطلعين، لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، كواليس سياسية عاصفة دارت خلف الأبواب المغلقة في طهران، مشيرين إلى أن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أبلغ المرشد الأعلى الجديد للجمهورية الإسلامية، آية الله مجتبى خامنئي، بأنه سيتنحى رسمياً عن منصبه ويستقيل إذا رفضت القيادة العليا المضي قدماً في إقرار الاتفاق الدبلوماسي مع الولايات المتحدة، في خطوة استثنائية عكست حجم الانقسامات الحادة والضغوط الرهيبة التي سبقت التوصل إلى مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن في حزيران الماضي. ونقلت "نيويورك تايمز" عن المصادر ذاتها، أن بزشكيان أبلغ خامنئي ان الحصار البحري الأميركي الصارم المفروض على الشواطئ الإيرانية أدى إلى شلل تام وواسع النطاق في عصب الاقتصاد الوطني، وأن استمرار الوضع الراهن بات يهدد بشكل مباشر استقرار البلاد وبقاء النظام، مؤكداً أن حكومته لم تعد قادرة على إدارة الأزمة بالآليات التقليدية والمناورات المعتادة. وفي السياق ذاته، بينت التقارير الاستخباراتية أن رسالة سرية وعاجلة وجهها محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، لعبت دوراً حاسماً ومحورياً في زعزعة وتغيير موقف القيادة المتشددة، بعدما حذر فيها من أن إيران تواجه معضلة مالية واقتصادية غير مسبوقة في تاريخها.
ايضا، أوضحت الصحيفة ان بزشكيان نجح، بالتعاون الوثيق مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، في بناء تحالف تكتيكي صلب داخل مؤسسات الحكم يدعم خيار التفاوض المباشر، باعتباره "ضرورة إستراتيجية قصوى لضمان استقرار النظام"، وليس مجرد مناورة سياسية مؤقتة. وتمكن هذا المعسكر البراغماتي، برغم الهجوم الشرس والاتهامات بالخيانة من قبل التيار المتشدد، من تمرير قرارات مصيرية وتاريخية، شملت القبول الفوري بوقف إطلاق النار، والجلوس في لقاءات مباشرة مع المسؤولين الأميركيين...
تدل هذه المعطيات على واقع ايراني مأزوم وأكثر، اقتصاديا وايضا سياسيا، تحاول السلطات الإيرانية قدر الامكان، إخفاءه ومنعه من الخروج الى الضوء، وفق ما تقول مصادر دبلوماسية لـ"المركزية". فإيران، رغم مكابرتها، تعاني ماليا ومعيشيا وحياتيا، وقد أصابها الحصار الأميركي على موانئها مقتلا، وأجبرها على القبول بخيار التفاوض.
اما سياسياً، فاتخاذ القرارات يبدو صعبا ويحتاج الى مخاض عسير بعد ان غابت المرجعية اي المرشد علي خامنئي، وصراع الاجنحة في ايران اشتد بشكل غير مسبوق، حيث اضطر بزشكيان الى التلويح بالاستقالة، كي يُتخذ القرار بإبرام اتفاق مع الأميركيّين. اما اليوم، تتابع المصادر، فحتى الجناح المتشدد في طهران منقسم على ذاته، بين براغماتيين يؤيدون التفاوض، ومتصلبين يرفضونه ولا يتورعون عن اتهام المفاوضين، بالخيانة وبالرضوخ للاميركي. هذا الانقسام يتهدد مستقبل المفاوضات خاصة ان جزءا كبيرا من المتشددين هم في الحرس الثوري، اي أنهم الممسكون بالقرار العسكري، القادر على اعادة اشعال الجبهة، كما حصل في هرمز في الساعات الماضية، بما يحرق المحادثات ويسقطها.
الواقع هذا يضع ايران امام امتحان جدي سيصبح اكبر واكثر جدية بعد انتهاء مراسم تشييع علي خامنئي. اذ ماذا لو لم يظهر ابنه مجتبى، وماذا لو لم يكن قادرا على توحيد القيادة الإيرانية وعلى وضع حد للصراع بين البراغماتيين والمتصلبين، سيما وانه يُحكى ان خامنئي الابن، خاضع للحرس الثوري بدل ان يكون الامر معاكسا؟!
المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: لورا يمين

