نشرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" تقريراً اعتبرت فيه أن الطريق إلى إسقاط النظام الإيراني يبدأ من بيروت، مشيرة إلى أن كل ضربة توجهها إسرائيل إلى "حزب الله" لا تقتصر على إضعاف قدراته العسكرية، بل تُسهم أيضاً في تقويض الرواية التي يعتمدها النظام الإيراني لإظهار نفسه منتصراً، ما ينعكس على مستوى التأييد الشعبي له داخل إيران.
التقرير أوضح أنه في شهر آذار الماضي سادت توقعات واسعة، وصلت إلى حد التفاؤل، بقرب حدوث تغيير في النظام الإيراني، إلا أن هذه التوقعات تراجعت تدريجياً خلال نيسان، قبل أن يؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاحقاً أن تغيير النظام لم يكن يوماً هدفاً لسياسة واشنطن.
ورغم ذلك، يرى التقرير أن مسؤولين إسرائيليين، وفي مقدمتهم المدير السابق لجهاز الموساد دافيد برنياع وخلفه رومان غوفمان، ما زالوا يعتبرون أن إسقاط النظام الإيراني واستبداله بحكومة ليبرالية موالية للغرب هدف ممكن وذو أهمية استراتيجية كبيرة.
ويشير التقرير إلى أنه يتفق مع هذا التقدير، لكنه يؤكد أن تحقيقه لن يكون سهلاً، معتبراً أن السبيل الوحيد لإسقاط النظام يتمثل في إطلاق "ثورة ملوّنة" تقوم على احتجاجات جماهيرية واسعة تؤدي إلى انهياره.
ويستعرض التقرير نماذج تاريخية، موضحاً أن الثورات الملونة نجحت في أوروبا الشرقية، كما أن الثورة الإيرانية عام 1979 جاءت وفق هذا النمط، إلا أن تجارب أخرى، مثل "الربيع العربي" والاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران خلال السنوات الأخيرة، انتهت جميعها بالفشل.
ويرى التقرير أن نجاح أي ثورة شعبية لا يعتمد أساساً على المتظاهرين، بل على موقف الأجهزة الأمنية، فإذا امتنعت هذه الأجهزة عن إطلاق النار على المحتجين، فإن الثورة تكون مرشحة للنجاح، أما إذا بقيت موالية للنظام فإنها ستفشل.
ويعتبر التقرير أن النظام الإيراني ساهم بنفسه في إضعاف موقعه من خلال الأزمات الاقتصادية والبيئية التي فاقمت تراجع الثقة بقيادته، مشيراً إلى سلسلة من الانتكاسات الاستراتيجية التي تعرضت لها إيران خلال الأعوام الأخيرة، ومن أبرزها سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، واغتيال الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله ومعظم القيادات العسكرية للحزب في أيلول 2024، إضافة إلى ما يصفه بتدمير البرنامج النووي الإيراني خلال "حرب الأيام الاثني عشر" عام 2025.
ويؤكد التقرير أن الأنظمة الديكتاتورية لا تستطيع تحمل الإذلال، معتبراً أن إسرائيل نجحت في توجيه ضربات جعلت النظام الإيراني يبدو "موضع سخرية"، ويذكر من بينها عملية أجهزة النداء والاتصالات ضد "حزب الله" في أيلول 2024، واغتيال رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس إسماعيل هنية في قلب طهران، إضافة إلى فشل الهجوم الصاروخي والطائرات المسيّرة الإيرانية في 13 نيسان 2024 في إحداث أضرار تذكر داخل إسرائيل.
وذكر التقرير أن الحرب الأخيرة وجهت ضربة إضافية لهيبة النظام، إذ قُتل المرشد الأعلى، بحسب التقرير، في الضربة الافتتاحية، ثم تلت ذلك غارات إسرائيلية متواصلة استهدفت قوات الأمن الداخلية، وأوقعت، وفق مزاعمه، نحو خمسة آلاف قتيل.
ويرى التقرير أنه لو واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل عملياتهما العسكرية وركزتا على استهداف قوات الأمن الداخلية، لكان من المرجح أن ينهار النظام الإيراني عبر ثورة شعبية.
لكن في الوقت نفسه، اعتبر التقرير أنَّ الاتفاق الذي أبرمته واشنطن مع طهران شكّل انتكاسة كبيرة، لأنه أتاح للنظام الإيراني إعادة صياغة روايته بشأن الحرب، والادعاء بأنه واجه الولايات المتحدة وحقق انتصاراً أجبرها على قبول مطالبه.
وأوضح التقرير أن إيران تعزز هذه الرواية عبر مواصلة مضايقة حركة الملاحة في مضيق هرمز، وممارسة الضغوط على حلفاء واشنطن في الخليج، بما يوحي بأن الولايات المتحدة هي الطرف المتراجع.
وبحسب التقرير، فإن هذه الرواية تسهم في رفع معنويات الأجهزة الأمنية الإيرانية، كما أنها ليست بعيدة بالكامل عن الواقع، على حد تعبيره.
ويخلص التقرير إلى أن أبرز نقاط ضعف إيران حالياً تتمثل في المجموعات المسلحة الحليفة لها في لبنان والعراق، معتبراً أن القضاء عليها سيضعف الجمهورية الإسلامية عسكرياً وسياسياً، ويقوض روايتها القائمة على "حتمية الانتصار".
ويرى أن إسرائيل لا تملك تأثيراً كبيراً على ما يجري في العراق، لكنها تمتلك هامشاً واسعاً للتحرك في لبنان، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة، إلى جانب الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان، ينسجمان مع استراتيجية تهدف إلى القضاء الكامل على "حزب الله".
وذكر أنه إذا تمكنت إسرائيل من تحقيق هذا الهدف، فسيصبح من الصعب على النظام الإيراني تقديم رواية إيجابية أو بطولية لجمهوره الداخلي، معتبراً أن المشهد سيكون أكثر إحراجاً لطهران إذا أدى إنهاء وجود "حزب الله"، وفق تقديره، إلى رفع العلم الإسرائيلي فوق سفارة جديدة في بيروت.
ويختتم التقرير بالتأكيد على أن هزيمة "حزب الله" وحدها لن تكون كافية لإسقاط النظام الإيراني، لكنها ستعيد لإسرائيل زمام المبادرة الذي فقدته بعد اتفاق وقف إطلاق النار، معتبراً أن القيادة الإسرائيلية تمتلك، على الأرجح، تصوراً لكيفية استثمار هذه المبادرة، ليخلص إلى أن "الطريق إلى طهران يمر اليوم عبر بيروت".
