ربطت لبنان وفرنسا علاقة تاريخيّة عميقة، قامت على روابط ثقافيّة وسياسيّة وتعليميّة منذ قرون. فقد لعبت فرنسا دورًا بارزًا، على المستويات كافّة، ولجأ لبنان إليها في الأزمات طلبًا للدعم والمساندة، وصحّت تسميتها بـ "الأمّ الحنون".
شهدت العلاقة اللبنانيّة – الفرنسيّة، في السّنوات الأخيرة تحوّلات كبيرة، مع تراجع الدّور السّياسيّ الفرنسيّ وتغيّر أولويّات باريس، رغم أنّها لا تزال من أكثر الدّول انخراطًا دبلوماسيًا في الملفّ اللّبنانيّ، وتُشارك في المبادرات السّياسيّة والإنسانيّة وفي دعم الجيش اللّبنانيّ والمؤسّسات، وأصبحت قدرة فرنسا على التّأثير أقلّ ممّا كانت عليه في السّابق، في ظلّ تنامي دور دول إقليميّة ودوليّة عدّة، مثل الولايات المتّحدة الأميركيّة.
ولم تنجح المبادرات الفرنسيّة في السّنوات الأخيرة، خصوصًا منذ انفجار مرفأ بيروت عام 2020، في تحقيق إصلاحات سياسيّة أو إنهاء الشّغور في بعض الاستحقاقات الدستوريّة. وتعرّضت السّياسة الفرنسيّة لانتقادات من فرقاء لبنانيّين، فهناك من يراها متساهلة مع بعض القوى السّياسيّة، بينما يرى آخرون أنها منحازة أو غير قادرة على لعب دور الوسيط الفعّال، كما أنّ البعض يعتبر أنّها لعبت دوراً سلبيّاً في ملفّ "حزب الله" في لبنان، فأصبحت غالبيّة اللّبنانيّين غير راضية على الموقف الفرنسيّ الملتبس.
اقتصاديّاً، أصبحت فرنسا أكثر تركيزًا على حماية مصالحها الاقتصاديّة والشّركات الفرنسيّة العاملة في المنطقة، وباتت تتعامل مع لبنان ضمن حسابات أوسع مرتبطة بالاتّحاد الأوروبيّ والشّرق الأوسط.
من جهة أخرى، وعلى الرّغم من أنّ لبنان لا يزال عضوًا فعالًا في المنظمة الدوليّة للفرنكوفونيّة، فقد تراجعت الفرنكوفونيّة نسبيّاً، مقارنةً بما كانت عليه في السّابق، لكنّها لم تختفِ. فالفرنسيّة حاضرة في التّعليم وبعض وسائل الإعلام،
ويتحدّث بها شريحة لا بأس بها من اللّبنانيّين، إلى جانب العربيّة والإنكليزيّة، التي أصبحت اللّغة الأكثر طلبًا في سوق العمل، كما أنّ كثير من الطلاب، يعتبرون أنّ الإنكليزيّة تمنح فرصًا أوسع للدّراسة والعمل عالميّاً.
وتجدر الإشارة إلى أنّ العلاقات التاريخيّة بين لبنان وفرنسا اكتسبت بُعدًا رمزيّاً خاصّاً لدى البطريركيّة المارونيّة، التي تخصّها بقدّاس سنويّ يُقام في بكركي.
إذاً، يبدو أنّنا أمام فرنسا جديدة تُريد أن تأخذ بدل أن تعطي، وتأثيرها السّياسيّ لم يعد كبيراً، لا سيّما بعد أن أمسكت الولايات المتّحدة بالملفّ اللّبنانيّ وأخذته على عاتقها، فهل يتحوّل الدّور الفرنسيّ نهائيًا إلى علاقة تحكمها المصالح السّياسيّة والاقتصاديّة فقط؟
