اعتبارًا من 25 حزيران 1976، دخلت معركة مخيم تل الزعتر الفلسطيني مرحلة جديدة باقترابها من أطرافه والمراكز الأساسية التي تستعمل للدفاع عنه، وأصبح المخيم على قاب قوسين من السقوط في أيدي وحدات القوات اللبنانية الموحدة.
أما في الشمال فبدأ الخلاف داخل مجموعات "جيش لبنان العربي" بالظهور بين الجناح المؤيد لسوريا الذي يقوده الرائد أحمد معماري والجناح المؤيد للفلسطينيين، وفي النهاية ونظرًا للتدخل الفلسطيني أعلن في طرابلس عن اقالة الرائد أحمد معماري وتسلّم الرائد محمد سليم قيادة الشمال في "جيش لبنان العربي"، الذي أعلن ولاء مجموعاته لقيادة الملازم أول أحمد الخطيب.
رسالة الشيخ بهيج تقي الدين
ما بين 25 و27 حزيران تلقى النائب (الرئيس) رينيه معوض بواسطة أحد ضباط الارتباط رسالة سرية من النائب الشيخ بهيج تقي الدين عضو كتلة نواب "جبهة النضال الوطني"، فيها تحذير من شيء ما يخطط للشمال ومن الممكن لزغرتا بهدف تخفيف الضغط عن مخيم تل الزعتر.
إثر تلقي الرئيس معوض الرسالة اجتمعت القيادة الزغرتاوية التي كانت تضم: النائب الأب سمعان الدويهي، النائب رينيه معوض، النائب طوني فرنجية، الأستاذ سليم بك كرم والشيخ سيمون بولس وتدارسوا ما احتوتها، واتفقوا على ارسال حسن دياب مختار ايعال وهي بلدة اسلامية سنيّة تقع في وسط منطقة زغرتا إلى طرابلس في محاولة لمعرفة حقيقة ما يتم تحضيره، وحملوه رسائل إلى زعماء طرابلس.
بوسائله الخاصة تمكن مختار ايعال من الوصول إلى طرابلس: كيف تمكن من اختراق الجبهة؟
كان هناك درب مشاة سري يمكن سلوكه سيرًا على الأقدام بين البساتين يمر بمحازاة مجرى نهر أبو علي ومنه يمكن العبور من مجدليا الواقعة تحت السيطرة الزغرتاوية إلى طرابلس - أبو سمرا عن طريق محلة الشلفة: هي درب خطرة، ولكن هناك صعوبة في اكتشاف من يمر عليها خاصة إذا كان من أهل المنطقة ويعرف تضاريسها جيدًا.
وصل المختار إلى طرابلس وزار قصر كرم القلة مقر الرئيس رشيد كرامي والتقى أيضًا عددًا من قيادات طرابلس، وعاد إلى زغرتا من الطريق ذاتها.
قبل ظهر الأربعاء 30 حزيران وصل مختار ايعال إلى قصر الرئيس معوض في زغرتا والتقى القيادة الزغرتاوية: كان النائب طوني فرنجية يستعد للانطلاق إلى بلدة شبطين للمشاركة في جناز والد النائب جورج سعاده حين تلقى اتصالًا من الرئيس معوض بضرورة الحضور إلى منزله.
في محصلة ما أخبر مختار ايعال أن شيئًا ما يتحضر في طرابلس، وهناك تخوف من هجوم فلسطيني على جبهة شمالية بهدف إحداث خرق ما، وليس بالضرورة جبهة زغرتا، كما نقل رسالة من كرم القلة بضرورة توخي الحذر الشديد، ومما قاله: لم يعد لقيادات طرابلس أي تأثير على الأحداث فكل شيء أصبح في أيدي المنظمات الفلسطينية.
خلال جناز والد الدكتور جورج سعاده، تشاور النائب طوني فرنجية مع بعض القيادات الشمالية بما رواه مختار ايعال، واتفقوا على عقد اجتماع في دير بلا وهي بلدة بترونية تتوسط أقضية البترون وزغرتا وبشري.
مساء ذاك النهار، عقد الاجتماع في دير بلا وشارك فيه قيادات شمالية عدّة، وضباط من الجيش وقوى الأمن الداخلي: جرى خلاله استعراض أوضاع الجبهة من رشعين وأرده ومجدليا إلى بصرما وكفرعقا وخان بزيزا وصولا إلى القويطع وشكا، وكان التخوف المشترك من أن يتم الخرق الفلسطيني عبر شكا.
لماذا شكا؟
بحسب الضباط: شكا مطوقة من ثلاثة محاور: أنفه وكفرحزير وكفريا، ولا منفذ يربطها بالمنطقة الشرقية إلا عبر النفق وهو ممر ضيق يسهل قطعه. وجود الشركات في شكا التي ستغري الفلسطينيين.
ما الحل المقترح؟
استنفار جميع المقاتلين على طول الجبهة الشمالية. القيام بهجوم استباقي لتحرير قرى القويطع: راس نحاش البترونية وكفريا وبدنايل واجدعبرين وكلباتا وبتعبورة وكفتون وكفرحاتا والمجدل في الكورة، وإخراج القوات الفلسطينية منها، بحيث يتم تأمين خاصرة شكا وتغطية جبهاتها من تلال كفريا، واتفق على القيام بالهجوم فجر 2 أو 3 تموز بعد الحصول على موافقة "الجبهة اللبنانية".
فجر الخميس 1 تموز، أعلنت "القوات اللبنانية الموحدة" الاستنفار العام على جميع جبهات الشمال ودخل إلى شكا قرابة 300 مقاتل بكامل أسلحتهم المتوسطة والثقيلة، كما دخل إلى حامات 100 مقاتل.
بحسب الخطة: تتقدم المجموعات العسكرية من حامات باتجاه راس نحاش – كفريا، ومن بقسميا في وسط منطقة البترون الى كفتون نزولا إلى بتعبورة – اجدعبرين – كفرحاتا، ومن دير بلا في جرد منطقة البترون نزولا إلى المجدل – الزكزوك وهي الخطة التي نفذت بعد الهجوم الفلسطيني
رفضت "الجبهة اللبنانية" القيام بأي هجوم على الكورة، خاصة وأن المبعوث العربي حسن صبري الخولي يقوم باتصالات في بيروت قد تفضي إلى حل معين ولا ترغب "الجبهة اللبنانية" بأن تظهر أنها معرقلة للحل.
رفض الدكتور عبد الله سعاده الهجوم على شكا
بينما كانت تجري مباحثات للتحضير للهجوم على شكا وحامات، تم اطلاع الدكتور عبد الله سعاده رئيس الحزب "السوري القومي الاجتماعي" على المخطط.
رفض الدكتور عبد الله سعاده ابن أميون أي بحث في الهجوم على ساحل البترون ومما قاله لمراجعيه:
"هنا الناس يعرفون بعضهم جيدًا وبينهم علاقات اجتماعية والجرح يبقى ينزف لسنوات، أرفض أن تقوم الكورة بتوسيع الجرح في الشمال.
مجرد صمود الكورة لأكثر من سنة في مواجهة 3 أقضية: البترون وزغرتا وبشري هو انجاز. لا تحركوا الجبل الماروني: أعرف الموارنة جيدًا فعندما يصل الخطر إلى قلب منطقتهم سيتركون منازلهم ويلتحقون بالجبهات يتقدمهم كهنتهم ورهبانهم لا تستخفوا بقدرة الرهبان على تجييش الشارع الماروني ودعمه".
لم يتمكن سعاده من وقف المخطط، وكان الهجوم على شكا وحامات، وللتاريخ وبشهادة أشخاص من شكا وقعوا في الأسر كان لوجود المقاتلين القوميين السوريين والشيوعيين من أبناء الكورة عامل إيجابي في حماية الأهالي من القتل وهناك العشرات ممن أنقذهم أبناء الكورة.
رسالة راس نحاش
راس نحاش بلدة إسلامية سنية بترونية تقع على حدود القويطع الكوراني، وأهلها بأكثريتهم الساحقة من مؤيدي القيادات البترونية اليمينية.
عند بدء المناوشات، رفض الدكتور جورج سعاده دخول "الكتائب" إلى راس نحاش فكان الحاجز الكتائبي عند محلة باب الهوا بين راس نحاش وحامات، حتى أنه لم يتم تفخيخ الطريق حتى يتمكن من يرغب من أهالي راس نحاش من العبور إلى البترون وكان عدم تفخيخ الطريق أن سهل فجر 5 تموز عبور الآليات الفلسطينية إلى حامات ولم يتمكنوا من إيقاف تقدمها إلا عند ساحة حامات.
ما بين راس نحاش والهري الواقعة تحت سيطرة "الجبهة اللبنانية" درب ترابي مخفي تقريبًا عن الأعين عمره عشرات الأعوام وعلى هذه الدرب كان يهبط بعض أهالي راس نحاش إلى الهري وشكا، فيصلون إلى منزل في الهري وينتظرون قدوم من يرافقهم خوف تعرضهم لأي مكروه.
يوم الجمعة 2 تموز وصل إلى الهري موفد من أهالي راس نحاش وطلب الاجتماع بالقيادي الكتائبي جان أنطون ناقلا رسالة من راس نحاش فيها أن الوضع عندهم لم يعد سليمًا، وأن هناك مجموعات فلسطينية جديدة بدأت بالدخول إلى راس نحاش كما هناك تجمعات فلسطينية خاصة في ثانوية كفرحاتا طالبًا أخذ الحذر، ومما قاله: ما عدنا نستطيع فعل أي شيء فنحن مستهدفون مثلكم.
خداع مجموعات الجبهة اللبنانية
مقابل استنفار وحدات "القوات اللبنانية" في الشمال، مارست القوات الفلسطينية أقسى درجات ضبط النفس فما عادت تسمع على طول الجبهة صوت رصاصة واحدة، وحتى عندما كان بعض الشبان المتحمسين يقومون بالرماية على المواقع الفلسطينية ما كان يرد عليهم بطلقة واحدة.
بعد ظهر الأحد 4 تموز، عقد اجتماع في صوفر شارك فيه وزير الخارجية السورية عبد الحليم خدام والدكتور حسن صبري الخولي وياسر عرفات يرافقه ياسر عبد ربه ومثل حزب "الكتائب" كريم بقرادوني وميشال سماحة، واتفق خلاله على وقف شامل لإطلاق النار على أن يعقد اجتماع آخر قبل ظهر اليوم التالي.
ما إن وصل خبر اتفاق صوفر إلى البترون حتى تم فك الاستنفار وعاد المقاتلون إلى منازلهم بعد أيام من السهر، ولم يبقَ في شكا وحامات سوى عناصر الحراسة وبعض الاحتياط.
قرابة منتصف الليل، أبلغ مركز الرصد في تلال بقسميا في وسط منطقة البترون غرفة العمليات عن تحركات مريبة على طريق كفرحاتا – راس نحاش، فيبدو أن هناك سيارات تسير مطفأة الأنوار.
تم إبلاغ مركزي الرصد في عين عكرين ودار بعشتار وكان الرد أن لا شيء غير اعتيادي يسجل على طرقات الكورة، وسرعان ما عاد الهدوء إلى أن كانت الساعة الثالثة من فجر 5 تموز 1976 فاصطبغ لون السماء بالأحمر وبدأ الهجوم.
من كفرحزير نزولا إلى حي شكا العتيقة في شكا، ومن أنفه عبر "الدون كارلوس" إلى داخل شكا، ومن راس نحاش إلى حامات، فيما تم قطع طريق الهري الممر الوحيد الذي يصل شكا بالبترون بعد هبوط مجموعات فلسطينية من كفريا إلى الهري وهكذا أصبحت شكا مطوقة بالكامل وبدأت ملحمة الصمود.
الاستنفار العسكري غير المسبوق
في محفوظات العقيد (العماد قائد الجيش) فيكتور خوري الذي قاد الهجوم المضاد لاستعادة شكا وحامات عشرات التقارير عن الهجوم، منها تقرير رفع إلى غرفة العمليات الرئيسية في سراي البترون قرابة ظهر 5 تموز وفيه جداول بأسماء 12500 مقاتل التحقوا بمراكز التجمع العسكرية في: البترون، كفرعبيدا، سلعاتا، عبرين، بقسميا، دير بلا، دار بعشتار، خان بزيزا، كوسبا، عين عكرين، بصرما تتراوح أعمارهم ما بين 15 و 75 سنة قرابة ثلثهم لم يكن خضع لدورة عسكرية فتم فصلهم الى الخطوط الخلفية. كان هذا أكبر استنفار عسكري عرفته الأقضية المسيحية الشمالية منذ ثورة يوسف بك كرم.
المصدر: نداء الوطن
الكاتب: نبيل يوسف

