بينما تتكشف تباعاً أحجام الدمار الذي خلّفته الحرب الإسرائيلية في القرى والبلدات الجنوبية، تتقدم أزمة السكن إلى واجهة التحديات التي تواجه آلاف العائلات الراغبة بالعودة إلى مناطقها. فمع تدمير منازل بالكامل وتضرّر أخرى بشكل يجعلها غير صالحة للسكن، يبرز سؤال واحد لدى النازحين: إلى أين سيعودون؟
استثناء قانوني لمواجهة حالة الطوارئ
وافق مجلس الوزراء على منح كل من الهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب صلاحية شراء بيوت جاهزة للعائلات المتضررة من الاعتداءات الإسرائيلية، عبر التعاقد المباشر مع الموردين، استناداً إلى حالة الطوارئ التي تعيشها المناطق المنكوبة.
ولا يتضمن القرار دراسة تفصيلية لحجم الحاجات أو الكلفة الإجمالية للمشروع، بل يقتصر على توفير الغطاء القانوني اللازم لاعتماد الإنفاق الرضائي وآلية الشراء بالتراضي، بما يسمح للجهات المعنية بالانتقال إلى الإجراءات التنفيذية فور توافر التمويل وتحديد الاحتياجات الفعلية.
ويأتي هذا التوجّه بعدما سعى مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة إلى الحصول على استثناء قانوني يتيح شراء المنازل الجاهزة من دون المرور بإجراءات المناقصات التقليدية أو استدراج العروض الطويلة، نظراً للحاجة الملحّة إلى توفير مأوى للعائلات التي فقدت منازلها.
400 منزل جاهز كمرحلة أولى
لا تزال أعداد المتضررين ترتفع مع استمرار عمليات الكشف الميداني، فيما تشير التقديرات إلى وجود عشرات آلاف العائلات التي دُمرت منازلها أو أصبحت غير قابلة للسكن.
يقول رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر لـِ "المدن" إن المجلس بدأ منذ فترة اتصالات أولية مع عدد من موردي البيوت الجاهزة في لبنان، وطلب منهم بدء زيادة الإنتاج، إلا أن قرار مجلس الوزراء الأخير أتاح الانتقال إلى مرحلة جديدة تسمح بإبرام عقود رسمية والحصول على عروض أسعار بصورة قانونية.
ويكشف حيدر لـِ "المدن" أن الخطة الحالية تقضي بشراء نحو 400 منزل جاهز كدفعة أولى من غرفتي نوم، على أن تُخصص للعائلات الأكثر حاجة؛ أي التي دُمرت منازلها بالكامل ولا تملك أي مسكن بديل.
تمويل محلي وانتظار للدعم الخارجي
جزء من موازنة مجلس الجنوب، التي تبلغ نحو 30 مليون دولار، سيُخصص للمساهمة في تمويل المشروع، بالتوازي مع جهود تُبذل لاستقطاب دعم خارجي.
يؤكد حيدر أن الاتصالات مستمرة مع جهات دولية وعربية للمساهمة في تمويل المشروع، سواء عبر تقديم بيوت جاهزة مباشرة أو عبر تأمين الأموال اللازمة لشرائها، فضلاً عن مساهمة مرتقبة من الهيئة العليا للإغاثة.
ويضيف أن هناك وعوداً أولية بهبات ومساعدات من الخارج قد تسمح بزيادة أعداد الوحدات السكنية الجاهزة خلال المراحل اللاحقة، مشيراً إلى أن عدداً من الأفراد والجهات أبدوا أيضاً استعدادهم للمساهمة في هذا الملف.
من الانسحاب الإسرائيلي إلى تركيب المنازل
يربط مجلس الجنوب تنفيذ المشروع بمسار العودة الميدانية إلى المناطق التي لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي. ويشرح حيدر أن أي خطوة عملية تبدأ أولاً بانسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة المستهدفة، يليها دخول الجيش اللبناني لإجراء مسح أمني شامل والتأكد من خلوّ المنطقة من المتفجرات ومخلفات الحرب.
بعد ذلك، تتولى مؤسسات الدولة رفع الأنقاض وفتح الطرقات وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية، من شبكات الكهرباء والمياه والخدمات العامة، تمهيداً لتركيب البيوت الجاهزة واستقبال السكان.
تجربة أولى قبل التعميم
ويعتبر حيدر أن المشروع سيبدأ كخطوة تجريبية في أول منطقة ينسحب منها الإسرائيلي، بهدف اختبار فعالية هذه الآلية ومدى قدرتها على تلبية احتياجات السكان العائدين.
ويضيف أن المرحلة الأولى ستشكّل نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه لاحقاً لتوسيع نطاق المشروع، على أن تكون حلاً انتقالياً يسمح للأهالي بالعودة إلى قراهم والاستقرار فيها، ريثما تبدأ الحلول الأكبر المرتبطة بخطط إعادة الإعمار الشاملة وإعادة بناء المنازل المدمّرة بصورة كاملة.
الإنتاج المحلي المحدود
وعن آلية الشراء، يوضح حيدر أن مجلس الجنوب سيعتمد مبدأ اختيار أقل الأسعار المتاحة بعد مقارنة عروض عدد من الموردين، بما يضمن تخفيض الكلفة إلى الحد الأدنى الممكن.
لكن المشكلة الأساسية، بحسب حيدر، تكمن في محدودية القدرة الإنتاجية للسوق المحلية، الأمر الذي يفرض التعاقد مع أكثر من جهة موردة في الوقت نفسه لتأمين الكميات المطلوبة ضمن المهل الزمنية المحددة.
وفي انتظار تبلور حجم التمويل الخارجي وتحديد الحاجات النهائية، يبدو مشروع البيوت الجاهزة محاولة أولى للإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحاً لدى آلاف النازحين: كيف يمكن العودة إلى القرى المدمرة قبل أن تبدأ إعادة الإعمار؟ ففي ظل غياب المساكن وارتفاع كلفة البناء، تتحول هذه الوحدات السكنية المؤقتة إلى أحد الخيارات القليلة المتاحة لإعادة الحياة إلى المناطق المنكوبة
المصدر: المدن
الكاتب: نغم ربيع

