تتجه الأنظار الإسرائيلية بقلق متزايد نحو التحركات التركية الهادفة إلى إعادة بناء الجيش السوري، في وقت يحظى فيه الرئيس السوري أحمد الشرع بدعم سياسي لافت من واشنطن، بالتوازي مع تقارير سورية تتحدث عن تصاعد العمليات الإسرائيلية وتوسيع هادئ للحزام الأمني في جنوب البلاد.
وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي، نشره موقع "ماكو" الإسرائيلي، فإن تركيا وضعت الجيش السوري الجديد تحت رعايتها، عبر تزويده بطائرات مسيّرة ومركبات مدرعة ومنظومات دفاع جوي متطورة، إلى جانب تدريب آلاف الجنود والقادة السوريين، في خطوة تثير قلقًا متزايدًا داخل إسرائيل.
وأشار التقرير إلى أن هذه التحركات تأتي بعد نحو عام ونصف العام على تدمير الجيش الإسرائيلي أكثر من 80% من قدرات جيش الرئيس السابق بشار الأسد، خلال عملية "سهم باشان".
ومن بين التطورات التي تثير القلق الإسرائيلي أيضًا، نشر تركيا رادارًا متطورًا من طراز "HTRS-100" داخل الأراضي السورية، وسط تقديرات بأنه قد يشكّل جزءًا من عملية بناء منظومة دفاع جوي سورية برعاية تركية.
وتُعدّ تركيا، وفق التقرير، الجهة الرئيسية التي تتولى حاليًا إعادة بناء الجيش السوري الجديد، إذ يشمل التعاون بين الجانبين التدريب والاستشارات وإعادة تنظيم القوات المسلحة السورية، فضلًا عن تزويدها بالمعدات العسكرية.
كما تقدّم أنقرة استشارات تنظيمية ومهنية إلى وزارة الدفاع السورية، وتساعد في بناء منظومة للقيادة والسيطرة، ضمن خطة تهدف، من بين أمور أخرى، إلى دمج جميع الفصائل المسلحة داخل الجيش السوري، وتوزيعها ضمن ألوية وفرق عسكرية نظامية.
وفي إطار عملية إعادة البناء، رُصدت خلال الأيام الأخيرة قوات سورية وتركية وهي تعمل على بناء جسور فوق نهر الفرات، في محيط مدينة دير الزور شرقي سوريا.
ورغم أن هذه الأعمال تُقدَّم باعتبارها جزءًا من إعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة في البلاد، فإنها تهدف أيضًا إلى ربط المناطق السورية بعضها ببعض، بما يساعد الجيش على فرض سيطرته على مختلف أنحاء الدولة.
وتشير التقديرات إلى أن تركيا ستزوّد الجيش السوري مستقبلًا بدبابات وصواريخ ومروحيات، فيما تجري اتصالات بين الطرفين بشأن احتمال تزويده بطائرات مقاتلة، بعد أن دمّر سلاح الجو الإسرائيلي عشرات الطائرات خلال عملية "سهم باشان".
وفي المرحلة الحالية، يحرص الجانبان التركي والسوري على عدم الدفع باتجاه نشر أسلحة هجومية ثقيلة في جنوب غربي سوريا، ولا سيما في منطقتي القنيطرة والجولان، بهدف تجنب تصعيد التوتر مع إسرائيل ومنع الجيش الإسرائيلي من تنفيذ ضربات استباقية.
لكن التقديرات في القدس تشير إلى أنه مع استقرار الأوضاع السياسية والأمنية في سوريا، سيبدأ الجيش السوري بالتحرك نحو جنوب البلاد، حتى في حال اعتراض إسرائيل، على أن يتم ذلك بدعم تركي يهدف إلى منع الجيش الإسرائيلي من تنفيذ غارات ضده.
ولا تنفصل الخطة التركية – السورية عن التحركات السياسية الجارية، إذ التقى الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" هذا الأسبوع، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك.
وعُقد اللقاء في المجمع الرئاسي في أنقرة، بحضور وفد من أعضاء الكونغرس الأميركي ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.
وكان الشرع قد وصل إلى أنقرة على رأس وفد رسمي، والتقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث بحث الجانبان الملف الأمني ومسألة تزويد الجيش السوري بالأسلحة والمعدات العسكرية.
كما التقى الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والسوري أحمد الشرع خلال قمة "الناتو"، وسلّم ترامب نظيره السوري رسالة أبلغه فيها بقرار شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وجاء في الرسالة التي سلّمها ترامب إلى الشرع: "لقد وعدت بإزالة جميع العوائق التي تمنعكم من إعادة بناء بلادكم، وقريبًا جدًا ستتمكنون أخيرًا من القيام بذلك. لدينا شركات أميركية مستعدة للاستثمار في سوريا والمساعدة في جعل دولتكم أعظم وأكثر ازدهارًا من أي وقت مضى".
وبحسب التقرير، يعني هذا التطور أيضًا تدفق ملايين الدولارات إلى الخزينة السورية، على أن يُستخدم جزء منها في إعادة بناء الجيش.
كما أن رفع العقوبات يتيح نظريًا تصدير الأسلحة من الدول الغربية إلى سوريا، إلا أن الصادرات العسكرية تتطلب تراخيص فردية، ولا يُعرف حتى الآن عن وجود خطة للموافقة على صفقات من هذا النوع مع دمشق.
ومع ذلك، تقول جهات إسرائيلية إن هناك مؤشرات إلى أن عددًا من الدول الغربية يدرس إمكانية إقامة تعاون أمني محدود مع سوريا.
ويتركز هذا التعاون، في المرحلة الحالية، على تدريب قوات الأمن والشرطة المدنية، وتعزيز أمن الحدود، وتوفير مركبات عسكرية، فيما لا يُعرف حتى الآن عن اتخاذ أي دولة غربية قرارًا بتزويد الجيش السوري الجديد بأسلحة هجومية كبيرة.
وفي موازاة عملية بناء الجيش السوري، تتواصل التوترات الأمنية على الحدود الشمالية، إذ وجّه منتدى المنظمات غير الحكومية في سوريا "SNGOF" نداءً عاجلًا إلى المجتمع الدولي، طالب فيه بالوقف الفوري لجميع أنشطة الجيش الإسرائيلي في جنوب البلاد.
وقال المنتدى إن التصعيد العسكري ازداد خصوصًا في محافظتي القنيطرة ودرعا، مضيفًا أن "الوجود الإسرائيلي المتزايد يضع مجتمعات مدنية بأكملها في دائرة الخطر، ويلحق أضرارًا جسيمة بجهود إعادة إعمار المنطقة".
وتتحدث تقارير سورية كذلك عن ارتفاع حجم نشاط الجيش الإسرائيلي، بما يشمل تنفيذ مداهمات وإقامة حواجز مفاجئة.
وبحسب هذه التقارير، شهد شهر حزيران 2026 وحده نحو 300 عملية عسكرية، أو ما وصفته الجهات السورية بـ"الانتهاكات" الإسرائيلية، في محافظتي القنيطرة ودرعا.
ويشمل هذا الرقم نحو 70 عملية برية ونحو 28 مداهمة محددة لأهداف داخل الأراضي السورية، نُفّذ جزء كبير منها خارج حدود الحزام الأمني.
وإلى جانب المداهمات والعمليات المحددة، تشير الجهات السورية إلى تغير استراتيجي في خريطة السيطرة، إذ تقول إن الجيش الإسرائيلي وسّع نطاق انتشاره ليشمل مساحة إضافية تبلغ نحو 235 كيلومترًا مربعًا، داخل منطقة الفصل الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة وخارجها.
وفي إطار هذا التوسع، أنشأ الجيش الإسرائيلي 9 مواقع ونقاط أمامية جديدة في محافظة القنيطرة، يُرجّح أنها تهدف إلى تعميق المراقبة والسيطرة على المنطقة، على خلفية الأحداث الأخيرة وتصاعد نشاط الجهات المسلحة فيها.
كما تحدثت التقارير عن مداهمات نفذها الجيش الإسرائيلي في منطقة قرية صيدا الجولان، في ريف القنيطرة، شاركت فيها قوات من المشاة والمدرعات والهندسة.
وأقامت القوات حاجزًا دائمًا على الطريق الرئيسية المؤدية إلى القرية، فيما أفادت مصادر محلية بأن العملية شملت تفتيش منازل وتنفيذ اعتقالات وإجراء عمليات تدقيق واسعة في المواقع القريبة من خط الفصل.
ولا تستبعد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية صحة هذه التقارير، لكنها تبرر التحركات باعتبارها ضرورة لمنع التهديدات الأمنية بالقرب من الحدود.
ومع ذلك، يشير التقرير إلى أنه عندما دخل الجيش الإسرائيلي الأراضي السورية وأقام حزامًا أمنيًا عقب سقوط نظام الأسد، أوضحت المؤسسة العسكرية آنذاك أنها نقلت خطوط الدفاع إلى داخل أراضي الخصم بصورة مؤقتة، إلى حين إعادة تأهيل الحدود ومنظومات الحماية التي كانت مهملة على مدى سنوات.
وقد أعاد الجيش الإسرائيلي حفر الخندق المضاد للدبابات، وطوّر السياج الحدودي، ونشر وسائل جديدة، إلى جانب ترميم مواقع عسكرية وبناء أخرى.
ورغم انتهاء هذه الأعمال، لا تزال إسرائيل تحتفظ بحزام أمني داخل سوريا، فيما يبدو أن طبيعة المهمات تغيّرت، ما بدأ يولّد مشكلات أمنية جديدة، أبرزها تشكّل مجموعات مسلحة على خلفية استمرار وجود الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.
وفي المقابل، تطالب السلطات في دمشق بانسحاب إسرائيل من البلاد، وتحاول ممارسة ضغوط في هذا الاتجاه عبر الجانبين الأميركي والتركي.
وتقول الجهات السورية إن البنى التحتية للمياه والزراعة تضررت بفعل النشاط الإسرائيلي، كما أن الحواجز وقيود الحركة التي فرضها الجيش الإسرائيلي تعيق وصول السكان إلى الخدمات الصحية والتعليمية والأسواق المحلية.
أما الجيش الإسرائيلي، فيقول إنه يحافظ على التواصل مع المجتمعات المحلية، ويعمل على تقديم الحلول والمساعدة في مواجهة المشكلات التي تعترضها.
وبذلك، يرسم التقرير مشهدًا سوريًا تتقاطع فيه عملية إعادة بناء الجيش برعاية تركية ودعم أميركي، مع تمسّك إسرائيل بحزامها الأمني وتوسيع نشاطها الميداني، في سباق نفوذ مفتوح قد يرسم ملامح التوازنات الجديدة على الحدود السورية.
