بتاريخ 25\6\2026، وقبل التوقيع في واشنطن بيوم واحد وبحسب القرار الحكومي الذي نُشر، وافق مجلس الوزراء على تفويض الوفد اللبناني في واشنطن بالتفاوض والتوقيع، لكنه أضاف بصورة صريحة أن أي اتفاق ينتج عن هذه المفاوضات يخضع لموافقة مجلس الوزراء عملاً بالمادة 52 من الدستور(1)، ولهذه العبارة أهمية قانونية لأنها تعني أن الحكومة نفسها اعتبرت أن التوقيع في واشنطن لا يكفي لإبرام المعاهدة. وبتاريخ 2\7\2026، وبتوجه مغاير، أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن ما تم التوصل إليه هو إطار سياسي يشكل خارطة طريق للمفاوضات، وينتج عنه التزامات سياسية لا قانونية، وليس إتفاقاً أو معاهدة بعد (2)، وبالتالي لا يُعرض على مجلس الوزراء بإعتباره معاهدة مكتملة. لذلك، تطرح هذه القراءة الموجزة مسألة وجوب أو عدم وجوب تطبيق أصول المادة 52 من الدستور اللبناني على إتفاق الاطار الموقع في واشنطن بتاريخ 26\6\2026، فيطرح الكاتب بعض الاسئلة المتداولة ويحاول الاجابة عليها في ضوء القانون الدولي العام وأحكام الدستور اللبناني.
أولًا، ماذا تفرض المادة 52 من الدستور اللبناني؟
بدايةً، يقتضي التفريق بين مرحلة التفاوض والتوقيع من جهة، ومرحلة إبرام المعاهدة ودخولها حيز النفاذ من جهة أخرى، إذ تنص المادة 52 من الدستور على أن رئيس الجمهورية يتولى التفاوض في المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء ولا تصبح المعاهدة مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. أما المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنوياً، أو التي تتعلق بمالية الدولة أو بالتجارة، فلا تصبح نافذة إلا بعد موافقة مجلس النواب أيضاً. وهذا يعني أن المادة 52 تفرض ثلاث مراحل متتابعة، التفاوض والتوقيع من قبل السلطة التنفيذية، إقرار مجلس الوزراء وموافقة مجلس النواب إذا كانت المعاهدة من الفئة التي نصت عليها المادة 52. لا شك أنه في حال إعتُبر إتفاق الإطار معاهدة دولية ملزمة، ولا سيما أنه ينظم العلاقات بين لبنان وإسرائيل ويتضمن التزامات أمنية طويلة الأمد ويضع إطاراً دائماً لا يمكن إنهاؤه بإرادة منفردة سنوياً، فإن الرأي الأغلب قانونياً هو أنه يدخل ضمن عبارة المادة 52 "المعاهدات التي لا يمكن فسخها سنة فسنة"، فإذا اعتُبر هذا الاتفاق اتفاقاً يؤدي إلى إنهاء حالة الحرب أو يؤسس لمعاهدة سلام مستقبلية، فإن الحجة الدستورية الداعية إلى عرضه على مجلس النواب تصبح أكثر قوة نظراً لخطورة موضوعه وآثاره الدائمة على العلاقات الدولية للبنان. وعندئذٍ يصبح تصديق مجلس النواب شرطاً لازماً لدخوله حيز النفاذ داخلياً.
ثانيًا، هل يعني أن اتفاق الإطار هو مجرد إعلان سياسي؟ وهل تطبق المادة 52 فقط على "المعاهدة النهائية"؟
بالعودة الى موقف رئيس الحكومة الاخير وبغض النظر عن التفسير السياسي لهذا الموقف الذي يمكن أن يقود الى أن رئيس مجلس الوزراء تفادى طرح التصويت في هذا الوقت الحساس خوفًا من امكانية تفجير الحكومة من الداخل في هذا الظرف وانعكاساته على الوضع اللبناني الداخلي، قد يستند هذا الموقف إلى فكرة مفادها أن هذا الإطار ليس الاتفاق النهائي، بل مجرد مرحلة تمهيدية تقود لاحقاً إلى معاهدة سلام، وبالتالي لا تُفعّل المادة 52 إلا عند الوصول إلى تلك المعاهدة. لكن في المقابل، يوجد تفسير آخر وهو أن المادة 52 لا تتحدث عن "المعاهدة النهائية"، بل عن كل اتفاق دولي ينشئ التزامات على الدولة اللبنانية. فإذا كان الإطار يقتصر على إعلان نيات من قبيل "نرغب في التفاوض" أو "نأمل تحقيق السلام" أو "سنواصل الحوار"، يمكن عندئذ الدفاع عن الرأي القائل أنه ليس معاهدة، أما إذا رجعنا إلى نص الاتفاق الاطار، نجد أنه يتضمن التزامات محددة، منها التزام لبنان بحصر السلاح بيد الدولة، التزامه بنزع سلاح الجماعات المسلحة، إنشاء مجموعات عمل، إنشاء مجموعة تنسيق عسكري، إنشاء قنوات اتصال مباشرة، التزامات مالية وأمنية، التزامات بحسن النية، التزامات تتعلق بالمحافل الدولية... وهذه ليست مجرد أمنيات أو إعلان مبادئ، بل أقرب إلى التزامات دولية منظمة. فإذا كانت الوثيقة تُرتب التزامات دولية إبتداءً من تاريخ توقيعها، فإنها قد تدخل ضمن نطاق المادة 52، حتى لو كانت تمهد لإتفاق أشمل في المستقبل. أما بعد الغوص في مواد نصوص الإطار، فيرى الكاتب أنه إذا كان الإطار لا يرتب أي أثر قانوني قبل إبرام الاتفاق النهائي، وكان مجرد وثيقة لتنظيم المفاوضات، فيمكن تبرير عدم عرضه على مجلس الوزراء بموجب المادة 52. أما إذا كان الإطار بدأ يرتب التزامات قانونية نافذة منذ لحظة التوقيع، كما توحي به صياغة عدد من مواده "تلتزم"، "تؤكد"، "تنشئ"، "ستعمل"، "تلتزم الحكومتان"…، فلا يكفي مجرد تسميته إطاراً لإخراجه من نطاق المادة 52. بمعنى آخر، إذا كانت الحكومة تتمسك بأن الوثيقة ليست اتفاقاً لأنها لا تزال تمثل مرحلة تفاوضية، فإن هذا الموقف ينسجم مع فكرة أن الالتزامات النهائية لن تنشأ إلا عند إبرام معاهدة السلام. أما إذا بدأ تنفيذ بعض الالتزامات الواردة في الإطار قبل الوصول إلى تلك المعاهدة، فقد يزداد الوزن القانوني للحجة القائلة أن الإطار تجاوز بالفعل مرحلة "الوثيقة السياسية" وأصبح ينتج آثاراً قانونية تستوجب استكمال الإجراءات الدستورية المنصوص عليها في المادة 52.
ثالثًا، ما هو تفسير كلمة "معاهدة" في المادة 52 من الدستور اللبناني؟
وبالعودة الى نص المادة المذكورة، يتبين أن الدستور اللبناني لا يعرّف كلمة "معاهدة" (Traité)، لذلك يقتضي اللجوء إلى التفسير الذي يعطيه القانون الدولي العام، لا سيما تعريف المعاهدة في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، مع مراعاة خصوصية النظام الدستوري اللبناني. فكيف يفسر كلمة "معاهدة"؟ بالجواب المباشر، إن المقصود ليس الاسم الذي تحمله الوثيقة، بل طبيعتها القانونية، بمعنى أن السؤال الحقيقي لا يطال ماهية التسمية، بل اذا أنشأت التزامات دولية على الدولة المعنية، فالقانون الدولي يعرّف المعاهدة بأنها الاتفاق الدولي المعقود بين الدول في صيغة مكتوبة والذي ينظمه القانون الدولي، سواء تضمنته وثيقة واحدة أو وثيقتان متصلتان أو أكثر ومهما كانت تسميته الخاصة، وهذا تعريف المادة الثانية من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969. ويلاحظ أن الاتفاقية تذكر عبارة "مهما كانت تسميته"، أي بمعنى أنه قد يسمى اتفاقاً، بروتوكولاً، إعلاناً، مذكرة تفاهم، إطاراً... ويبقى معاهدة إذا أنشأ التزامات قانونية. وهذا يكاد يكون محل إجماع في الفقه الدولي(3)، فقد تكون الوثيقة بعنوان Framework Agreement أو Declaration ولكنها معاهدة وتكون ملزمة. وفي المقابل قد تسمى Agreement ولا تكون ملزمة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في أكثر من مناسبة أن العبرة هي لنية الأطراف والآثار القانونية وليس التسمية (4). لذلك، وفي رأي الكاتب، تفسر كلمة "معاهدة" الواردة في المادة 52 بأنها كل اتفاق دولي مكتوب يبرمه لبنان مع دولة أو منظمة دولية ويقصد به إنشاء التزامات قانونية دولية، بصرف النظر عن التسمية التي يحملها، وينسجم هذا التفسير مع ما سبق بيانه ومع اتفاقية فيينا والقضاء والفقه الدوليين.
حركات نقابية وعمالية
وكخلاصة، يبقى السؤال عما اذا كان "الاتفاق الإطاري" يدخل ضمن مفهوم المعاهدة، فإذا اختلفت الآراء، يرفض الإتجاه الأول اعتباره معاهدة لأنه مجرد إطار سياسي، أما الاتجاه الثاني، فيعتبر أنه إذا رتب التزامات قانونية، فيكون معاهدة. ويرى الكاتب أن الاتجاه الاخير هو الأقرب إلى قواعد القانون الدولي، ولا تعتمد المادة 52 من الدستور اللبناني معياراً شكلياً بل معياراً موضوعياً، وبالتالي فإن لفظ "المعاهدة" يجب تفسيره في ضوء القانون الدولي العام بإعتباره يشمل كل إتفاق دولي مكتوب يقصد به إنشاء حقوق أو التزامات قانونية للبنان، أياً كانت التسمية التي يختارها أطرافه. وعليه، فإن وصف الوثيقة بأنها إطار أو إعلان أو خريطة طريق لا يحول دون خضوعها لأحكام المادة 52 إذا كانت آثارها القانونية تتجاوز مجرد إعلان النيات. ويرى الكاتب أيضًا أن النتيجة التي يدعمها قانون المعاهدات والقضاء والفقه الدوليان هي أن المادة 52 ينبغي أن تُفسر وفق المعيار الموضوعي، أي بالنظر إلى جوهر الالتزامات الدولية وآثارها القانونية لا إلى العنوان الذي اختارته السلطة التنفيذية، ويحقق هذا التفسير الغاية الدستورية من المادة 52، وهي ضمان الرقابة على التزامات الدولة الخارجية، ويحول دون إمكان الالتفاف على هذه الرقابة بمجرد تغيير اسم الوثيقة من معاهدة إلى إطار أو إعلان.
المحامي إميل عون - نداء الوطن
