التصعيد الإيراني – الأميركي، كشف أكثر ممّا أخفى. كشف حجم الهوّة بين مصالح الدولة اللبنانية ومصالح المشروع الإيراني في المنطقة، وكشف أيضًا حجم المأزق الذي يجد الحزب نفسه فيه كلما اصطدمت حساباته بحسابات طهران الكبرى.
كتب أسعد بشارة لـ”هنا لبنان”:
لسنوات، حاول حزب الله إقناع اللبنانيين بأنّ قدر لبنان أن يكون جزءًا من محور إقليمي واحد، وأنّ مصيره يجب أن يُربط بمصير العواصم التي تدور في الفلك الإيراني، لا بمصالح الدولة اللبنانية ولا بحسابات اللبنانيين. يومها كان المطلوب أن يسير لبنان في الطريق نفسه الذي تسير فيه طهران، وأن يتحوّل إلى ورقة إضافية في دفتر المفاوضات الإقليمية المفتوحة على الحروب والمواجهات.
حتّى باكستان استُحضرت في الخطاب السياسي والإعلامي باعتبارها نموذجًا لدولة تواجه الغرب وتملك القدرة على فرض التوازنات بالقوة. كان المطلوب للبنانيّين أن يقتنعوا بأنّ مستقبلهم ليس في الاستقرار والاقتصاد وإعادة بناء الدولة، بل في المزيد من الجبهات والمزيد من الصواريخ والمزيد من الارتهان لصراعات الآخرين.
لكن ماذا سيقول الحزب اليوم؟
ماذا سيقول بعدما بدأ المسار الذي راهن عليه يتهاوى تحت وقع التحوّلات الإقليمية الكبرى؟ ماذا سيقول بعدما تبيّن أنّ الدول تبحث عن مصالحها الوطنية أولًا، فيما كان مطلوبًا من لبنان وحده أن يبقى ساحةً مفتوحةً وحسابًا جاريًا باسم إيران؟
الحقيقة القاسية بالنسبة إلى الحزب أنّ القرار اللبناني بالذهاب إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، مهما اختلف اللبنانيّون حول شكله أو آليّاته أو ظروفه، نجح في إبعاد لبنان، ولو مؤقتًا، عن العودة إلى موقع الجبهة الأمامية في الحرب الإيرانية المفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
للمرة الأولى منذ سنوات، بدا أنّ هناك محاولةً لإعادة تعريف المصلحة اللبنانية بعيدًا عن نظرية الساحات المترابطة ووحدة الجبهات ووحدة المصير العسكري الذي لم يُنتج للبنان سوى الدمار والانهيار والعزلة.
أمّا التصعيد الإيراني – الأميركي، فقد كشف أكثر ممّا أخفى. كشف حجم الهوّة بين مصالح الدولة اللبنانية ومصالح المشروع الإيراني في المنطقة، وكشف أيضًا حجم المأزق الذي يجد حزب الله نفسه فيه كلما اصطدمت حساباته بحسابات طهران الكبرى.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.
لقد تحوّل هذا التصعيد إلى وصمة سياسية وأخلاقية على جبين الحزب، وإلى سقوط مدوٍّ للسردية التي بُنيت طوال سنوات حول المقاومة والسيادة والاستقلالية في القرار. سقطت رواية الفصل بين الحزب وإيران، وسقط معها الادعاء بأن السلاح لبنانيُّ القرار والوظيفة والهدف.
وفي السياسة، قد يتأخّر سقوط السرديّات، لكنه حين يبدأ لا يتوقف عند حدود خطاب أو بيان، بل يصل في النهاية إلى جوهر المشروع نفسه.

