استحوذ موقف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على اهتمام لافت، عندما قال إنّ إسرائيل تسعى إلى تكريس أمر واقع في جنوب لبنان وسوريا. فماذا عن خلفيات هذا الكلام في ظل الغياب الديبلوماسي الروسي المدوّي عن الساحة اللبنانية؟
الخبير في الشؤون الروسية الدكتور زياد منصور يقول لـ"النهار": "لم يكن تصريح وزير الخارجية الروسي عن أن إسرائيل تسعى إلى فرض أمر واقع في لبنان وجنوب سوريا كلاما عابرا، بل يعكس قراءة روسية لتطورات ميدانية وسياسية تراكمت خلال الأشهر الأخيرة. فمن منظور موسكو، لا تقتصر التحركات الإسرائيلية على عمليات عسكرية موقتة أو ردود فعل أمنية، وإنما تتجه نحو تكريس معادلة أمنية جديدة تُبقي لإسرائيل حرية الحركة العسكرية، وتؤسس لوجود طويل الأمد أو لنفوذ دائم في مناطق تعتبرها ذات أهمية استراتيجية".
ويضيف: "لافروف يقصد بالأمر الواقع وفق الرؤية الروسية تثبيت ترتيبات ميدانية تصبح بمرور الوقت مقبولة أو يصعب التراجع عنها، سواء عبر استمرار السيطرة على نقاط داخل جنوب لبنان، أو إبقاء وجود عسكري في أجزاء من جنوب سوريا".
ولكن لماذا هذا التصريح الآن؟ يجيب بأنه "يرتبط على الأرجح بمرحلة تشهد تحركات ديبلوماسية مكثفة في شأن الجنوب اللبناني، توازيا مع استمرار النقاش حول مستقبل الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا. فـ روسيا تدرك أن أي ترتيبات تُفرض في هذه المرحلة قد تصبح جزءاً من النظام الأمني الإقليمي الجديد، لذلك تسعى إلى تسجيل موقف سياسي واضح قبل تثبيت هذه المعادلات".
ويتابع: "هذا لا يعني أن موسكو تمتلك أدوات مباشرة لمنع إسرائيل من فرض هذه الوقائع. فالدور الروسي في الشرق الأوسط لم يعد كما كان قبل سنوات نتيجة انشغالها بالحرب في أوكرانيا".
ويلاحظ منصور أن "رسالة لافروف ليست إعلانا لتحرك روسي وشيك بقدر ما هي محاولة لرسم خط سياسي واضح: رفض تحويل الوقائع العسكرية الموقتة إلى حقائق دائمة، والتنبيه إلى أن استمرار هذا المسار قد يفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ في المشرق، بما يتجاوز لبنان وجنوب سوريا إلى مجمل التوازنات الإقليمية".
ويرى أن "تصريح لافروف يعكس في ظاهره اعتراضاً على محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة في لبنان وجنوب سوريا، ويُثير في الوقت نفسه تساؤلاً أوسع يتعلق بالخيارات الروسية في حال استمرار الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، في زيادة الضغوط على موسكو عبر مواصلة الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا".
حتى الآن، لا مؤشرات معلنة على أن الكرملين اتخذ قراراً بإعادة بناء تحالفاته مع القوى المناهضة لإسرائيل في لبنان أو بتغيير قواعد تعامله مع الساحة السورية. فمنذ تدخلها العسكري في سوريا عام 2015، انتهجت موسكو سياسة تقوم على إدارة التوازن بين مختلف الأطراف، فنسقت مع إيران و"حزب الله" في إطار دعم الدولة السورية، وفي الوقت نفسه حافظت على قنوات اتصال مباشرة مع إسرائيل.
ولا تعني إعادة التقييم بالضرورة الانتقال إلى تحالف كامل مع "حزب الله" أو مع سائر القوى المناهضة لإسرائيل. لذلك، يبدو أن الاحتمال الأكثر واقعية هو استخدام هذه الملفات ورقة ضغط سياسية واستراتيجية على واشنطن.

