شكّل مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي ضربة قاسية لنظام قام، عملياً لا نظرياً، على شخص “الولي الفقيه”. فقد صُمم هذا النظام على مقاس الخميني، ثم ارتداه رفيق دربه خامنئي لأكثر من ثلاثة عقود. أما مجتبى “الغائب”، فتزامن انتخابه مع انتقال مركز الثقل إلى الحرس الثوري، الذي يبدو اليوم صاحب القرار الفعلي. غير أن المرحلة المقبلة قد لا تكون محكومة فقط بإدارة السلطة، بل أيضاً بكيفية احتواء الصراع الداخلي بين المتشددين والإصلاحيين، وهو التوازن الذي كان خامنئي الأب يتولى ضبطه بنفسه. ومن هنا، يرى كثيرون أن مقتل خامنئي لم يكن مجرد نهاية رجل، بل بداية مرحلة مختلفة في بنية النظام الإيراني.
بعضهم بكى خامنئي “حباً”، وإن تعددت الأسباب وتباينت، وفي مقدمها المعتقدات الإيديولوجية التي رسّخها النظام بعدما أقنع أنصاره بأنه نائب صاحب الزمان، فالنظام السياسي في إيران يقوم على مبدأ “ولاية الفقيه”، الذي يعتبر أنّ “الفقيه الجامع للشرائط” ينوب عن الإمام الغائب في إدارة شؤون الأمة وتوجيه المجتمع خلال فترة غيبته، ما يضفي صبغة دينية وشرعية مطلقة على قراراته، لتصبح طاعة “نائب الإمام” واجبة، وامتداداً لطاعة الإمام نفسه.
آخرون بكوا المرشد “تمثيلاً”، إما خوفاً من نظرائهم في نظام اشتهر بالقمع، وإما سعياً إلى حجز موقع شعبي لدى أنصار “الثورة”. وتعبير “التمثيل” هنا ليس ادّعاءً، بل ترجمه، على سبيل المثال لا الحصر، المشهد الذي رصدته عدسات الكاميرات لوزير الخارجية عباس عراقجي وهو ينظر إلى “انهيار” زميله محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، خلال وداع خامنئي.
أما كثيرون، فبكوا خامنئي لأنهم يدركون أنّ النظام الذي أسسه الخميني تلقى ضربة قاصمة بمقتله. فقد رحل رفيق مؤسس الجمهورية الإسلامية، فيما حل نجله مجتبى مكانه، ليبدو أقرب إلى “مرشد صوري” أو “واجهة” لسلطة حقيقية تتركز في يد شبكة من قادة الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية، الذين يحكمون البلاد فعلياً من خلف الكواليس.
تأكيداً على خطورة “الفراغ” الفعلي، لا الصوري، وما يحمله من مخاطر، سارع الإعلام الإيراني، بعد ساعات من مقتل خامنئي، إلى شد العصب الداخلي، مروجاً لرواية مفادها أنّ خامنئي كان قد اختار ابنه خلفاً له، في محاولة لإضفاء شيء من المعنويات على نظام بدا مشلولاً بفقدان رأسه.
نظام المرشد… يحتضر
يُعد المرشد الأعلى في إيران (الولي الفقيه) قائد الثورة الإسلامية وأعلى سلطة في البلاد. ويستمد صلاحياته الواسعة من الدستور الإيراني، وتشمل مختلف مفاصل الدولة الأمنية والعسكرية والسياسية، بحيث يمتلك الكلمة الفصل في إدارة شؤون البلاد. يمكن تلخيص أبرز صلاحياته على النحو الآتي:
1- هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويعيّن ويعزل كبار القادة العسكريين في الجيش والحرس الثوري والشرطة، ويمتلك صلاحية إعلان الحرب والسلم، ويشرف على المجلس الأعلى للأمن القومي.
2- يرسم السياسات العامة للنظام الإيراني ويشرف على حسن تنفيذها، ويعيّن رئيس السلطة القضائية، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، إضافة إلى نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور. كما أن قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي لا تصبح نافذة إلا بعد مصادقته.
3- يمتلك صلاحية عزل رئيس الجمهورية إذا اقتضت الضرورة.
4- بصفته المرجع الديني الأعلى، وفق نظرية ولاية الفقيه، يصدر الفتاوى والأحكام، ويمارس الوصاية الدينية والسياسية على شؤون الأمة الشيعية.
5- يتحكم بصورة مباشرة في السياسة الخارجية والأمن القومي، إذ تصدر عن مكتبه التوجيهات الرسمية التي ترسم ملامح الدبلوماسية الإيرانية، وتحدد مسار العلاقات الخارجية، وتؤثر في تعيين كبار الدبلوماسيين، إضافة إلى إشرافه على المجلس الأعلى للأمن القومي.
هذه الصلاحيات، التي فُصّلت يوماً على مقاس الخميني ثم انتقلت إلى رفيق دربه خامنئي، أصبحت اليوم في عهدة مرشد لا يزال وضعه الصحي غير واضح، كما أن مدى قدرته على ممارسة الحكم بنفسه يثير كثيراً من التساؤلات، ولا سيما في ظل ما يوصف بأنه “مرشد صوري”. فهل تغيّر شكل الحكم في إيران؟
مجتبى… المرشد الواجهة
غاب المرشد مجتبى خامنئي تماماً عن المشهد العام والظهور العلني، لأسباب قيل إنها أمنية، لكن لا يُستبعد أيضاً أن تكون مرتبطة بإصابته البالغة في الغارة نفسها التي أودت بحياة والده في شباط الماضي.
بحسب تقارير استخباراتية غربية وأخرى صادرة عن المعارضة الإيرانية، فإن الحرس الثوري هو الذي يدير مفاصل الدولة فعلياً، مستفيداً من الواجهة الدينية التي يمثلها مجتبى لضمان استمرارية النظام، فيما يتولى كبار الجنرالات اتخاذ القرارات المصيرية، سواء في الحرب أو التفاوض.
يرى مراقبون أن قبول مجتبى المبدئي بالمفاوضات مع “الشيطان الأكبر”، والتوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة، جاء نتيجة ضغوط اقتصادية هائلة فاقمتها الحرب، وضغط مباشر من الرئيس الإيراني والحرس الثوري لتجنب الانهيار الكامل. وعلى هذا الأساس نُشرت رسالة باسمه، لم يتأكد حتى الآن ما إذا كان قد كتبها بنفسه أم صيغت داخل أروقة الحرس الثوري.
في كواليس تلك الرسالة:
1- شدد الحرس الثوري على أن رسالة مجتبى خامنئي لم تكن رفضاً مبدئياً للمفاوضات، بل كانت بمثابة ضوء أخضر لمواصلة التفاوض مع واشنطن وفق الشروط الإيرانية.
2- أكد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، التزام الحكومة المطلق برأي المرشد، وصرح بأنه “لو أمر مجتبى بعدم التفاوض لما أُجريت أي محادثات”، في محاولة واضحة لتعزيز صورة المرشد الجديد وعدم إظهار الفراغ القائم.
بذلك، يبدو أن الحرس الثوري يحاول توظيف موقع “المرشد الواجهة” للإبقاء على شرعية نظام بات يحكمه، عملياً، تنظيم يحمل اسم “الحرس الثوري”.
بعد خامنئي، طُويت صفحة “الثورة الإسلامية” التي قامت على وجود مرشد يمسك بكل مفاصل السلطة، ويكفي استعراض صلاحياته لفهم حجم الفراغ الذي خلفه غيابه.
نظام “المرشدين”… انتهى؟
بمقتل المرشد علي خامنئي، انتهت حقبة زمنية حافلة بالتحولات الكبرى والمنعطفات التاريخية التي رسمت ملامح إيران والشرق الأوسط الحديث، وأُسدل الستار على مسيرة سياسية بدأت في أزقة مشهد وانتهت على رأس هرم السلطة في طهران.
سار خامنئي على خطى والده رجل الدين، فالتحق بالحوزات العلمية في مشهد ثم في النجف، قبل أن ينتقل إلى مدينة قم، حيث التقى روح الله الخميني، الذي سيقود الثورة الإسلامية لاحقاً ويغيّر مجرى حياته بالكامل.
أمضى خامنئي أربعة عقود في ظل حكم الشاه محمد رضا بهلوي، وكان من أبرز مروجي أفكار الخميني خلال منفاه في باريس. بسبب نشاطه الثوري، اعتُقل ست مرات على يد جهاز “السافاك”. وبعد انتصار الثورة عام 1979 وعودة الخميني، تحول من معارض مطارد إلى أحد أركان النظام الجديد، فشارك في تأسيس الحرس الثوري، وتولى مناصب قيادية في مجلس الثورة ووزارة الدفاع.
في عام 1981، انتُخب رئيساً للجمهورية بنسبة تجاوزت 95%، وشهدت ولايتاه الحرب الإيرانية – العراقية. أما عام 1989، فكان محطة مفصلية بوفاة الخميني، حين اختاره مجلس خبراء القيادة ولياً فقيهاً ومرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية.
خلال عهده، توسع النفوذ الإيراني إقليمياً عبر ما عرف بـ”محور المقاومة”، ودخلت إيران في مواجهة طويلة مع الغرب بسبب برنامجها النووي، انتهت بتوقيع اتفاق عام 2015، قبل أن ينهار بانسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018، لتعود البلاد إلى دوامة العقوبات الاقتصادية.
برحيله، ترك خامنئي إرثاً سياسياً شديد الجدل، ومستقبلاً غامضاً لجمهورية قامت على أكتاف الثورة، وحكمها مرشدان تحولا، مع مرور الزمن، إلى ركيزتين أساسيتين لاستمرارها.
المرحلة المقبلة قد لا تكون محكومة فقط بإدارة السلطة، بل أيضاً بكيفية احتواء الصراع الداخلي بين المتشددين والإصلاحيين، وهو التوازن الذي كان خامنئي الأب يتولى ضبطه بنفسه. ومن هنا، يرى كثيرون أن مقتل خامنئي لم يكن مجرد نهاية رجل، بل بداية مرحلة مختلفة في بنية النظام الإيراني.
