منذ أن دخل لبنان مرحلة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، تبدلت العلاقة بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله" دراماتيكيا. فالخلاف لم يعد محصوراً في تباين حول إدارة ملف معين، بل بات يطال جوهر المرحلة المقبلة: من يملك القرار النهائي في قضايا الأمن والسيادة والعلاقة مع الخارج؟ ومن يرسم حدود الدولة اللبنانية في مرحلة ما بعد الحرب؟
وسط هذا المشهد، ارتفع منسوب الحديث عن احتمال انتقال المواجهة إلى مستويات أكثر خطورة، وصولاً إلى تداول سيناريوات عن استهداف رئيس الجمهورية شخصياً. إلا أن مصادر سياسية مطلعة، بعضها قريب من "حزب الله"، تنفي وجود أي معطيات تشير إلى خيارات من هذا النوع، مؤكدة أن الحزب لا يلجأ إلى أدوات أمنية ما دام يمتلك، وفق تقديره، وسائل أكثر فاعلية لمحاصرة العهد سياسياً وإضعافه.
المعركة مع النهج
تقول المصادر إن الحزب يرى أن معركته ليست مع شخص الرئيس بقدر ما هي مع النهج الذي يقوده، ولا سيما في ما يتعلق بالمفاوضات المباشرة، وحصرية قرار الحرب والسلم، والالتزامات التي قد يقدمها لبنان أمام المجتمعين العربي والدولي. ومن هنا، فإن المواجهة، إذا استمرت، ستكون سياسية بالدرجة الأولى، هدفها الحد من قدرة العهد على تحقيق إنجازات أو الظهور بموقع الطرف القادر على فرض خياراته.
وتضيف أن الحزب يدرك أن إسقاط رئيس الجمهورية دستورياً أمر بالغ التعقيد، لذلك فإن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في تطويق العهد واستنزافه سياسياً، وإظهاره بمظهر السلطة غير القادرة على تنفيذ تعهداتها. فالرهان، بحسب هذه القراءة، يقوم على أن أي اتفاق أو تفاهم يعقده لبنان مع الخارج يحتاج في نهاية المطاف إلى قدرة فعلية على التنفيذ داخل الأرض اللبنانية، وهي ورقة يعتبر الحزب أنه لا يزال يمتلك تأثيراً أساسياً فيها.
وتلفت الأوساط نفسها إلى أن الحزب يرى أن حضوره السياسي والشعبي والميداني يمنحه القدرة على الإرباك أو التعطيل لأي مسار يتعارض مع مصالحه، ولا سيما في الملفات المرتبطة بإسرائيل أو بالترتيبات الأمنية التي قد تلي المفاوضات. وتاليا، فإن أي رئيس للجمهورية، مهما بلغ حجم الدعم الدولي الذي يحظى به، يبقى معرضاً لفقدان جزء من صدقيته إذا عجز عن ترجمة التزاماته إلى وقائع عملية، وهو ما يشكل، في رأي الأوساط، إحدى أهم أوراق الضغط في المرحلة المقبلة.
المعركة الرقمية...
لا تقتصر المواجهة وفق هذه القراءة، على المؤسسات الدستورية أو المواقف السياسية، بل تمتد إلى الساحة الإعلامية، حيث تشير المصادر إلى أن "حزب الله" غيّر استراتيجيته بوضوح خلال السنوات الأخيرة. فبعدما كان يعتمد بصورة أساسية على وسائله الإعلامية التقليدية والمنابر القريبة منه، اتجه تدريجاً إلى الاستثمار في وسائل التواصل الاجتماعي، إدراكاً منه أن التأثير في الرأي العام بات ينتقل بسرعة أكبر عبر المنصات الرقمية.
وتوضح أن الحزب لم يعد يكتفي بظهور كوادره أو إعلامييه الرسميين، بل أصبح يعتمد على شبكة واسعة من إعلاميين وناشطين ومؤثرين يتبنون خطابه السياسي ويدافعون عن خياراته، من دون أن يكونوا بالضرورة جزءاً من هيكله التنظيمي. والغاية من ذلك، بحسب هذه الأوساط، توسيع دائرة التأثير والوصول إلى فئات لا تتفاعل مع الإعلام الحزبي التقليدي.

