كتب النائب مارك ضو:
بعد عام على مجازر السويداء، لا أستطيع أن أتعامل مع هذه الذكرى بوصفها مناسبة عابرة، أو أن أختصرها ببيان إدانة وتعزية.
أتوقف أمامها طويلاً.
أتوقف أمام وجوه الذين قُتلوا في بيوتهم وقراهم ومستشفياتهم. أمام العائلات التي لم تجد الوقت لوداع أبنائها، والأمهات اللواتي ما زلن ينتظرن خبراً عن مفقود، والنازحين الذين خسروا بيوتهم وأرزاقهم وشعورهم بالأمان. أتوقف أمام حقيقة أن أكثر من 1700 إنسان قُتلوا، وأن نحو مئتي ألف شخص اقتُلعوا من أماكنهم خلال أيام قليلة، في مشهد سيبقى محفوراً في ذاكرة السويداء لأجيال.
بصفتي نائباً عن الشعب اللبناني، وابناً من أبناء طائفة الموحدين الدروز، أشعر أن الصمت أمام ما جرى ليس حياداً، وأن الاكتفاء بالتعزية لا يفي الضحايا حقهم.
فالذي حدث لم يكن مجرد اشتباك أمني أو مواجهة عابرة بين جماعات مسلحة. لقد كان قتلاً على الهوية، وإعدامات ميدانية، وانتهاكاً للحرمات، واعتداءً على القرى والبيوت والمستشفيات، ومحاولةً لإخضاع مجتمع بأكمله من خلال الرعب والعقاب الجماعي.
وما شهدناه في السويداء لم يكن منفصلاً عما سبقه في الساحل السوري، حيث تعرض مدنيون علويون للقتل والانتهاكات على أساس هويتهم، ولا عن المخاوف والاعتداءات التي طالت المسيحيين وغيرهم من مكونات المجتمع السوري. تختلف المناطق والضحايا، لكن الخطر واحد: أن تُبنى سوريا الجديدة على الانتقام والعصبية الطائفية، وأن يُستبدل ظلم النظام السابق بظلم جديد، وأن يصبح أمن المواطن وحقه في الحياة مرتبطين بطائفته أو بالمنطقة التي وُلد فيها.
هذه الجرائم لا تهدد الدروز أو العلويين أو المسيحيين وحدهم، بل تهدد فكرة سوريا نفسها. فسوريا لا يمكن أن تقوم إذا خاف أبناؤها من الدولة أو من بعضهم بعضاً، وإذا أصبحت الهوية الدينية تهمة، وإذا تحولت مؤسسات الحكم من مظلة تحمي المواطنين إلى مصدر للخوف أو شريك في الانتهاكات.
والمأساة لم تنتهِ بانتهاء أيام القتل.
إنها مستمرة في الحصار والعزل والتضييق، وفي تعطيل الطرق والخدمات، وفي نقص الغذاء والدواء، وفي بقاء المهجّرين خارج قراهم، وفي مصير المفقودين والمخطوفين، وفي غياب المحاسبة الجدية. وهي مستمرة، قبل كل شيء، في شعور الناس بأن ما حدث يمكن أن يتكرر في أي لحظة.
حصار السويداء ليس حلاً أمنياً. وتجويع الناس وعزلهم ومحاولة إخضاعهم لا يبني دولة ولا يستعيد سيادة. بل يدفع المجتمعات الخائفة إلى البحث عن الحماية خارج وطنها، ويفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية ومشاريع النفوذ الإقليمي.
وعلينا أن نتحدث بصراحة أيضاً: لقد كان للتدخل الإسرائيلي دور حاسم في وقف اندفاعة المجزرة ومنع استمرارها. وهذه حقيقة لا يجوز إنكارها، خصوصاً بالنسبة إلى الذين كانوا مهددين بالقتل في تلك اللحظة.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني الالتحاق بإسرائيل، ولا تفويضها تقرير مستقبل السويداء، ولا التعامل مع تدخلها كأنه عمل إنساني منزّه عن المصالح. فإسرائيل تحركت وفق حساباتها الاستراتيجية، وفي إطار صراعها مع تركيا على النفوذ وترتيبات القوة في سوريا والمنطقة. والدول تتحرك لحماية مصالحها، لا لبناء مستقبل الشعوب بدلاً عنها.
لذلك نرفض معادلتين معاً: نرفض أن يُذبح أهل السويداء باسم وحدة سوريا وسيادة الدولة، ونرفض أن تتحول حمايتهم إلى ذريعة لاحتلال أرض سورية أو إخضاع السويداء لمشروع خارجي. كما نرفض أن يُطلب من أهلها الاختيار بين سلطة تهددهم وقوة إقليمية تريد توظيف مأساتهم.
المعركة الأساسية ليست الالتحاق بأحد، ولا استبدال وصاية بوصاية، ولا الارتماء في حضن قوة لمواجهة قوة أخرى. المعركة هي تحصيل الحقوق لأهل السويداء وللسوريين جميعاً: الحق في الحياة والأمان والكرامة، والحق في العدالة والمحاسبة والتمثيل السياسي، والحق في البقاء على أرضهم من دون حصار أو إذلال.
لا حل عسكرياً في السويداء. فكل محاولة لفرض الأمر الواقع بالقوة ستنتج مزيداً من الدم والكراهية والتدخل الخارجي. المطلوب حل سياسي جدي يبدأ برفع الحصار وفتح الطرق، وتأمين وصول الغذاء والدواء، وإعادة المهجّرين إلى قراهم بضمانات فعلية، والكشف عن مصير المفقودين والمخطوفين، وإجراء تحقيق دولي مستقل يحاسب كل من خطط وحرّض ونفّذ وغطّى هذه الجرائم، أياً كانت صفته أو الجهة التي ينتمي إليها.
لكن الحل لا يمكن أن يقتصر على ترتيبات أمنية مؤقتة. المطلوب عقد سياسي جديد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، ويضمن لأهل السويداء أمنهم وخصوصيتهم وحقهم في إدارة شؤونهم المحلية والمشاركة في القرار. ولا يجوز أن يُفرض عليهم مستقبلهم من دمشق أو من أي عاصمة أخرى؛ بل يجب أخذ رأيهم الحرّ في تقرير مستقبلهم السياسي والإداري ضمن الدولة السورية ووحدة أراضيها.
وهذه ليست مطالب خاصة بالدروز، بل حقوق يجب أن يتمتع بها كل السوريين: العرب والكرد، والسنّة والعلويون والمسيحيون والإسماعيليون وسائر مكونات البلاد. فلا خلاص لجماعة سورية على حساب أخرى، ولا أمان دائم لطائفة داخل وطن خائف وممزق. خاصة احترام حقوق كل الناس هو جزء من الالتزامات الدولية لسوريا تحت مظلة قانون حقوق الإنسان الدولي الذي أكد على احترام حقوق مختلف المجموعات والطوائف ضمن إطار المساواة أمام القانون الحق في التنوع والاختلاف.
لقد شارك أبناء السويداء في صناعة تاريخ سوريا واستقلالها. وكان سلطان باشا الأطرش رمزاً لوطنية لم تنغلق على طائفة أو منطقة. لم يناضل من أجل الدروز وحدهم، بل من أجل وطن حر لجميع أبنائه. وهذه هي البوصلة التي يجب ألا تضيع اليوم: حماية السويداء كجزء من النضال من أجل سوريا عادلة، لا كمدخل إلى حرب أهلية جديدة أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
في هذه الذكرى، ننحني أمام الضحايا، لكننا لا ننحني أمام الخوف.
نطالب بالعدالة، لا بالثأر؛ وبالحماية، لا بالوصاية؛ وبالحقوق، لا بالعزلة؛ وبحل سياسي يحمي السويداء وجميع السوريين، لا بحرب جديدة يدفع الأبرياء ثمنها.
أنا ابن هذا التاريخ وهذه الثقافة؛ ومن واجبي أن أحفظهما وأصونهما، وأن أستذكر مآسيهما كي لا نسمح بتكرارها.
