يقف لبنان عند تقاطع أزمات إقليمية متشابكة، فالمأزق لم يعد يقتصر على الانقسام الداخلي الحادّ حول الاتفاق الإطار وسائر الملفات الخلافية، في ظلّ ارتهان جزء أساسي من القرار اللبناني للمحور الإيراني الذي قد يجرّ لبنان مجددًا الى قلب المواجهة واندلاع حرب شاملة تودي به الى الانهيار المحتم، في حال تعثّر التفاهمات المتأرجحة بين واشنطن وطهران.
بالموازاة، تردّدت خلال الأسابيع الأخيرة معلومات عن دخول قوات سورية الى شمال لبنان، وهو ما تكرّر على لسان الرئيس الاميركي دونالد ترامب في معرض حديثه عن دور سوري محتمل لقوات أحمد الشرع، وقد شغل هذا الطرح الأوساط السياسية وأُثيرت حوله العديد من السيناريوهات المتضاربة، وبالرغم من رسائل التطمين الصادرة من دمشق وحكومة الشرع، وبعيدًا من السجال الدائر واعتبار هذا الطرح جزءًا من الضغوط الأميركية على حزب الله وإسرائيل على حد سواء، فإن الوقائع الداخلية السورية تثبت أنها الأكثر حساسية ما يجعل تنفيذ خطوة كهذه أمرًا شديد التعقيد.
وتفيد أوساط مطلعة لـ "ليبانون فايلز" أن الدولة السورية تواجه تحديات عديدة، منها ما يتعلق بالأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي تحدّ من قدرتها على تمويل مؤسساتها العسكرية، حتى إن مسألة دفع الرواتب لا تزال تمثّل عبئاً مستمرًا على الخزينة. أمّا على المستوى العسكري، فما زالت عملية إعادة بناء الجيش السوري في مراحلها الأولى، بحيث لا تزال التشكيلات المسلحة أقرب إلى فصائل ذات ولاءات متعددة منها الى جيش وطني موحّد، ما يوحي بأن المؤسسة العسكرية السورية الجديدة ما زالت تفتقر إلى بنية قيادية أمنية احترافية، سواء لجهة وجود هيئة أركان مكتملة الصلاحيات، أو لجهة توافر ضباط اختصاص يتمتعون بالتأهيل الأكاديمي والخبرة اللازمة في حين أن نسبة كبيرة من الضباط الحاليين لا يحملون حتى شهادات إعدادية.
بالإضافة الى ذلك، وبحسب الأوساط عينها، فإن خريطة النفوذ العسكري غير متماسكة فالقوات الخاصة المرتبطة مباشرة بالرئيس أحمد الشرع تفرض سيطرتها بصورة رئيسية على دمشق، ويقودها الضابط التركي برتبة عميد المعروف بـ"مختار التركي"، واسمه عمر محمد جفتشي، الذي عُيّن قائداً للفرقة 70 ضمن الهيكلية الجديدة للقوات المسلحة السورية. في المقابل، لا يزال قسم كبير من ريف دمشق خاضعاً لنفوذ مجموعات مرتبطة ببقايا "جيش الإسلام".
الى ذلك، لا يخلو مشهد تعدّد القوى من صراع على النفوذ حيث تتنافس التشكيلات المحسوبة على الشرع مع مراكز القرار الأمنية والعسكرية المرتبطة بوزير الدفاع مرهف أبو قصرة، ووزير الداخلية أنس الخطاب، ورئيس جهاز الاستخبارات حسين السلامة، وهو ما يعكس غياب مركزية القرار العسكري بصورة شبه كاملة.
ولا يُخفى الخطر الذي تشكّله الجماعات الجهادية المتشدّدة "المستاءة والغاضبة" من أحمد الشرع على خلفية اختلافها معه إيديولوجيًا وسياسياً، فهناك تشيكلات عسكرية تضمّ مقاتلين من الإيغور الصينيين والأوزبك، إضافة إلى "لواء الغرباء" المتمركز في منطقة الأتارب بريف حلب، فضلاً عن فصائل إسلامية متشدّدة أخرى تضم آلاف المقاتلين الذين يشكّلون القوة الضاربة لهذه التنظيمات. ويُضاف إلى ذلك وجود آلاف المقاتلين من "داعش" المنتشرين في البادية السورية الممتدّة من تدمر وصولاً إلى دير الزور، إلى جانب قوات أحمد عودة المتمركزة في بصرى الشام بريف درعا. الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمال تقاطع مصالح هذه القوى وتشكيلها تحالفات تمثّل تهديدًا وخطرًا على السلطة السورية الحالية بقيادة الشرع. أخبار سياسية لبنان
وانطلاقاً من هذه المعطيات، تبدو فرضية "الدخول السوري" الى لبنان بعيدة عن الواقع. فالأولوية بالنسبة إلى القيادة السورية تتركّز على تثبيت السلطة، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، واحتواء الانقسامات الداخلية
