خاص - قناة 23
في السياسة اللبنانية، أحياناً لا يحتاج المشهد إلى إعلان رسمي كي يفتح باب التأويل، يكفي أن يغيب اسم ثقيل عن بيروت في لحظة سياسية حساسة حتى تبدأ الأسئلة بالبحث عن أجوبتها بين السطور، وهذا تحديداً ما يرافق سفر النائب السابق وليد جنبلاط إلى الخارج، وسط حديث في الكواليس عن رغبة في الابتعاد عن الضجيج الذي رافق مواقفه الأخيرة، وما أثارته من علامات استفهام داخل دوائر سياسية رسمية وحزبية، وصولاً إلى أجواء لم تكن مريحة لدى عدد من العواصم الخليجية، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية.
وبحسب معلومات قناة 23 نقلاً عن مقربين من جنبلاط، فإن مغادرته لبنان لا تحمل في خلفياتها أبعاداً سياسية مباشرة، وإنما تأتي في إطار استراحة خارج البلاد، غير أن ذلك لا يلغي وجود مناخ سياسي متوتر حول مواقفه الأخيرة، خصوصاً أن بعض الجهات ترى فيها اقتراباً من خيارات "الثنائي الشيعي"، في وقت تحاول فيه الرئاسة الأولى تثبيت مسار سياسي يضع الدولة ومؤسساتها في موقع القرار، مع ما يرافق ذلك من انفتاح عربي وخليجي على المرحلة اللبنانية الجديدة.
وتقول المعطيات نفسها إن التباين حول مواقف جنبلاط لا ينحصر في علاقة مع طرف سياسي واحد، كون الصورة باتت أوسع من حدود الاصطفافات الداخلية، إذ تُقرأ مواقفه في سياق إقليمي أكثر حساسية، حيث تتداخل حسابات الرئاسة والحكومة والقوى السياسية المؤثرة مع نظرة العواصم الخارجية إلى مستقبل التوازنات اللبنانية، ومن هنا تأتي أهمية التوقيت الذي اختار فيه جنبلاط الابتعاد عن المشهد، خصوصاً أن المرحلة الحالية لا تسمح لكثير من اللاعبين السياسيين بهامش واسع للمناورة.
وفي هذا السياق، تتحدث معلومات متداولة عن أن سفر جنبلاط قد يمنحه مساحة لإعادة ترتيب أفكاره بعيداً عن ضغط اللحظة السياسية، وربما لإجراء مراجعة هادئة لبعض المواقف التي اتخذها أخيراً، خصوصاً مع صمت حليفه رئيس مجلس النواب نبيه بري، الأمر الذي فتح باباً واسعاً أمام التساؤلات حول طبيعة العلاقة السياسية بين الرجلين، وحول ما إذا كان جنبلاط يتحرك وفق قراءة خاصة به أم أن بعض خياراته جاءت نتيجة تفاهمات لم تظهر كل تفاصيلها إلى العلن.
وفي موازاة ذلك، تبرز في الكواليس حلقة الوزير السابق وئام وهاب مع الإعلامي مارسيل غانم، التي عُرضت الخميس الفائت ضمن برنامج "صار الوقت"، وما رافقها من هجوم على جنبلاط وإثارة مباشرة لملف العقوبات الأميركية، وسط معلومات يتم تداولها في أوساط سياسية وإعلامية عن أن الحلقة كانت ممولة من رجل الأعمال اللبناني أنطون الصحناوي، الذي تربطه، وفق ما يقال في هذه الأوساط، علاقة شخصية بالمبعوثة الأميركية السابقة إلى لبنان مورغان أورتاغوس.
ولا تتعامل هذه المعطيات مع التمويل المزعوم أو طبيعة العلاقة الشخصية كوقائع مثبتة، غير أن طرحها في الكواليس، بالتزامن مع مضمون الحلقة وتوقيت فتح ملف العقوبات الأميركية، دفع إلى طرح مجموعة من التساؤلات السياسية حول مغزى الرسالة التي أرادت الحلقة إيصالها، وما إذا كان التصعيد تجاه جنبلاط مجرد موقف إعلامي وسياسي مستقل، أم أنه يأتي ضمن سياق أوسع يرتبط بإعادة رسم خطوط المرحلة المقبلة.
وتزداد هذه التساؤلات حساسية في ضوء ما يتردد عن امتعاض أميركي من استمرار التصاق جنبلاط السياسي بـ"الثنائي الشيعي"، وهو ما يجعل إعادة فتح ملف العقوبات في هذا التوقيت تحديداً موضع قراءة لدى عدد من المتابعين، خصوصاً أن واشنطن، وفق المعطيات المتداولة، تراقب عن كثب مواقف القوى اللبنانية وطريقة تموضعها في المرحلة المقبلة، ولا سيما تجاه مشروع حصر القرار السياسي والأمني في مؤسسات الدولة.
المشهد الأكثر حساسية يرتبط بما يُقال عن الموقف الأميركي، إذ تفيد معطيات قناة 23 بأن اسم جنبلاط كان قد دخل في دائرة البحث الأميركي في ملف العقوبات، إلى جانب اسم بري، قبل أن يتراجع هذا المسار أو يتوقف عند حدود الدراسة، وفق ما يتردد في الأوساط المتابعة، غير أن واشنطن، بحسب هذه المعطيات، لا تبدو في وارد إغلاق هذا الملف نهائياً، إذ تراقب سلوك الرجلين خلال المرحلة المقبلة، وتحديداً كيفية تعاطيهما مع زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن، وما يمكن أن تنتجه هذه الزيارة من تحولات في المشهد اللبناني.
ومن هنا، تبدو الأنظار متجهة إلى ما بعد الزيارة الرئاسية، كون المرحلة التي ستليها قد تحمل مؤشرات أوضح حول طبيعة العلاقة بين واشنطن وبعض القوى السياسية اللبنانية، كما أن طريقة تفاعل جنبلاط وبري مع نتائجها ستكون موضع متابعة دقيقة، في وقت تتجه فيه الإدارة الأميركية إلى اختبار مواقف القوى اللبنانية وفق أفعالها ومقارباتها لا وفق الخطاب السياسي وحده.
وفي قلب هذا المشهد، يبقى جنبلاط أمام مرحلة دقيقة تحتاج إلى حسابات شديدة الحساسية، فالرجل الذي لطالما امتلك قدرة استثنائية على قراءة التحولات والانتقال بين مراحلها بأقل قدر من الخسائر، يجد نفسه اليوم أمام بيئة سياسية مختلفة، حيث تبدلت موازين كثيرة، وتغيرت طبيعة العلاقة بين الداخل اللبناني والخارج، وصارت المسافة بين موقف سياسي وآخر كافية لفتح أبواب واسعة من التداعيات.
وعليه، فإن سفر جنبلاط قد يكون مجرد استراحة كما يقول المقربون، وقد يكون في الوقت نفسه فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة قراءة المشهد من زاوية أكثر هدوءاً، أما ما ستكشفه الأيام المقبلة، فهو ما إذا كان هذا الغياب المؤقت سيقود إلى إعادة تموضع سياسي، أم أن جنبلاط سيعود إلى بيروت بالخطاب نفسه والخيارات نفسها، فيما تبقى عيون واشنطن والرياض وبيروت مفتوحة على كل كلمة وكل موقف، بانتظار اتضاح الاتجاه الذي ستسلكه المرحلة المقبلة.
