بقلم المحامية جورجينا عسّال
في تاريخ الشعوب رجالٌ يمرّون، ورجالٌ يصنعون التاريخ. والبطريرك الطوباوي إلياس الحويّك كان من أولئك الذين تجاوزوا حدود الزمن، فغدت سيرتهم جزءًا من هوية وطن، وامتد أثرهم من الكنيسة إلى الدولة، ومن المذبح إلى ضمير الأمة.
وُلد البطريرك إلياس الحويّك في بلدة حلتا – قضاء البترون عام 1843، وترعرع في بيئةٍ تشبّعت بالإيمان والقيم والالتزام. ومنذ نعومة أظفاره، أدرك أن الرسالة الكهنوتية ليست مجرد خدمة كنسية، بل التزامٌ بالدفاع عن الإنسان وصون كرامته. وعندما انتُخب بطريركًا للكنيسة المارونية عام 1899، حمل على كتفيه مسؤولية شعبٍ بأكمله، في مرحلةٍ كانت من أكثر مراحل الشرق ولبنان قسوةً وتعقيدًا.
لم تكن قداسة الحويّك انعزالًا عن الناس، بل اقترابًا منهم. لم يكتفِ بالصلاة، بل جعل من المحبة فعلًا يوميًا، ومن الرحمة رسالةً حيّة. ففي سنوات المجاعة الكبرى والحرب العالمية الأولى، تحوّلت بكركي إلى ملجأٍ للجائعين والمحتاجين، وكرّس كل ما تملكه الكنيسة لإطعام الفقراء وإنقاذ الآلاف من الموت، مؤمنًا بأن الكنيسة التي لا تحتضن المتألّمين تفقد جوهر رسالتها.
ولم تتوقف رسالته عند حدود العمل الرعوي، بل امتدت إلى الدفاع عن لبنان. ففي مؤتمر السلام في فرساي عام 1919، رفع صوته مطالبًا بقيام دولة لبنان الكبير، مؤمنًا بأن هذا الوطن يستحق أن يكون أرضًا للحرية والكرامة والعيش المشترك. لقد رأى في لبنان رسالةً حضارية قبل أن يكون حدودًا جغرافية، ولذلك استحق أن يُعرف في ذاكرة التاريخ بـ"بطريرك لبنان الكبير".
كما ترك إرثًا تربويًا وروحيًا لا يزال حيًا حتى اليوم، عندما شارك في تأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، مؤكدًا أن بناء الإنسان بالعلم والإيمان هو الطريق الأقصر إلى بناء الأوطان.
إن تطويب البطريرك إلياس الحويّك لم يكن تكريمًا لشخصه فحسب، بل اعترافًا بأن القداسة يمكن أن تُترجم مواقف شجاعة، وخدمةً للإنسان، ودفاعًا عن الحق، ومحبةً لا تعرف التمييز. فقد أثبت أن الراعي الحقيقي لا يقود شعبه بالكلمات فقط، بل بالتضحية والعطاء والإيمان الذي يتحوّل إلى عمل.
واليوم، وفي زمنٍ يحتاج فيه لبنان إلى رجال أصحاب رؤية وقيم، تبقى سيرة الطوباوي إلياس الحويّك دعوةً متجددة للتمسّك بالإيمان، وخدمة الإنسان، وحماية الوطن، لأن الأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالقداسة، وبالضمير، وبالرجال الذين يجعلون من رسالتهم حياةً للآخرين.
رحل البطريرك إلياس الحويّك بالجسد، لكنه بقي حاضرًا في وجدان اللبنانيين، وفي ذاكرة الكنيسة، وفي تاريخ وطنٍ ساهم في ولادته. وسيظل اسمه علامةً مضيئة تؤكد أن القداسة ليست هروبًا من العالم، بل أسمى أشكال الالتزام بالإنسان والوطن.
