صحافة

من بوشهر إلى تبريز.. واشنطن توسع خريطة ضرباتها نحو العمق الإيراني



 

وسعت الولايات المتحدة خريطة عملياتها داخل إيران عبر جمع أهداف في بوشهر جنوبًا وتبريز شمال غرب البلاد ضمن الموجة الحادية عشرة من القصف، في تطور ينقل الحملة من التركيز على القدرات البحرية المرتبطة بمضيق هرمز إلى ملاحقة البنية التي تربط القيادة الجوية والصواريخ والمسيّرات ومخازن الإمداد عبر مناطق متباعدة.

 

وكشفت مصادر عسكرية واستخباراتية أمريكية لـ"إرم نيوز" أن اختيار المحافظتين داخل مرحلة واحدة يعكس قرارًا بإصابة حلقات متكاملة داخل القوة الإيرانية، بعد أن أظهرت التقييمات أن الاكتفاء بضرب المنصات الساحلية يحد من الهجمات البحرية مؤقتًا من دون تعطيل الجهات التي تعوض الخسائر وتنقل المعدات وتعيد توزيع الوحدات.

 

 

ضربات تمتد إلى العمق

وأفاد مصدر عسكري أمريكي بأن الحملة تجاوزت منذ أيام نطاق حماية الملاحة، بعدما أدرجت مراكز القيادة وحظائر الطائرات ومواقع المسيّرات وشبكات الاتصال والدفاع الجوي ضمن أهدافها، مشيرًا إلى أن واشنطن تريد حرمان طهران من إدارة جبهات منفصلة عبر بنية مركزية واحدة.

 

 

وأوضح المصدر أن الجمع بين بوشهر وتبريز يضع القوات الإيرانية أمام ضغط متزامن في الجنوب والشمال الغربي، ويجبر القيادة على توزيع وسائل الحماية بين مناطق بعيدة بدل تركيزها حول الساحل والممرات البحرية، ما يرفع كلفة الحفاظ على الترابط بين الوحدات الجوية والصاروخية.

 

وأنهت القوات الأمريكية ليل الثلاثاء الموجة الحادية عشرة من عملياتها، مستهدفة منشآت لتخزين المسيّرات وحظائر للطائرات، بعد ليلة سبقتها ضربات على مراكز قيادة ومنصات صواريخ وقدرات بحرية وأنظمة دفاع جوي، فيما حافظت القيادة المركزية على وصف حماية السفن في مضيق هرمز هدفًا معلنًا للحملة.

 

وأفادت تقارير إيرانية بأن ضربة طالت منطقة عسكرية خارج تبريز قرابة الساعة الثانية وأربعين دقيقة فجرًا، من دون تسجيل هجوم داخل المدينة، في حين شكّل ظهور المدينة في الموجة الأخيرة خروجًا عن النمط الذي ركز خلال الأيام السابقة على الساحل الجنوبي ومحيط المضيق.

 

من الساحل إلى مراكز الدعم

وتضم المنطقة المحيطة بتبريز بنية عسكرية مرتبطة بالقوة الجوية والصواريخ، كما تمنحها جغرافيتها القريبة من الحدود مع أذربيجان وأرمينيا أهمية في حركة الإمداد بين شمال غرب إيران ووسط البلاد، لذلك يحمل استهدافها دلالة مختلفة عن ضرب القوارب والمنصات الساحلية.

 

 

وفي بوشهر، استهدفت غارات أمريكية موقعين عسكريين في مدينة خورموج ضمن موجتين منفصلتين فجر الاثنين، بعد ضربات سابقة أصابت منشآت عسكرية ودفاعات جوية ومخازن صواريخ ومسيّرات على الساحل الجنوبي، من دون إعلان أمريكي يربط تلك العمليات بالمحطة النووية الموجودة في المحافظة. 

 

وأكد مصدر استخباراتي أمريكي يتابع ملف الحرس الثوري أن وظيفة أهداف بوشهر ترتبط بحماية الساحل وإسناد الوحدات البحرية وتأمين انتقال المعدات إلى الموانئ والجزر، بينما تخدم المواقع القريبة من تبريز وحدات جوية وصاروخية ومسارات تصل الشمال الغربي بالمراكز العسكرية الواقعة داخل البلاد.

 

وأضاف المصدر لـ"إرم نيوز" أن ضرب الطرفين في توقيت متقارب يستهدف العلاقة بين مناطق التخزين ومراكز القرار ونقاط الانتشار، لأن القوات الإيرانية تستطيع نقل منصة أو طائرة مسيرة بسهولة أكبر من قدرتها على تعويض شبكة كاملة تضم القيادة والاتصالات والحماية والإمداد.

 

ويكشف هذا التوسع أن واشنطن لم تعد تقيس نجاح العمليات بعدد القوارب أو منصات الإطلاق التي تدمرها قرب هرمز، إذ بدأت تضرب الجهات التي تمنح هذه الوسائل القدرة على العودة إلى العمل، وهو ما ظهر في إعلان القيادة المركزية استهداف مراكز القيادة وشبكات الاتصال إلى جانب القدرات البحرية والصاروخية.

 

 

كما يضع استهداف تبريز الحرس الثوري أمام معادلة أكثر صعوبة، لأن نقل المواجهة إلى شمال غرب البلاد يسقط الافتراض بأن البنية البعيدة عن الخليج تستطيع مواصلة دعم العمليات من خارج دائرة القصف، ويجبر النظام على حماية نطاق جغرافي أوسع في ظل استنزاف دفاعاته الجوية.

 

واشنطن تربك توزيع الدفاعات

وتسعى الولايات المتحدة عبر هذه الخريطة إلى تقطيع الصلات بين وحدات القوة الإيرانية بدل مطاردة كل منصة على حدة، لتصبح بوشهر عقدة الساحل وتبريز عقدة الشمال الغربي داخل حملة واحدة تريد تفكيك قدرة النظام على نقل السلاح وتنسيق الهجمات وإعادة بناء ما تخسره في مضيق هرمز.

 

ويرى الباحث في الاستراتيجيات العسكرية فابيان هوفمان أن الجمع بين أهداف تقع في جنوب إيران وشمالها الغربي يشير إلى محاولة أمريكية لحرمان القيادة الإيرانية من التعامل مع الحرب كسلسلة جبهات منفصلة، لأن توسيع النطاق الجغرافي يجبرها على توزيع وسائل الحماية والاحتياط على مسافات كبيرة ويضعف قدرتها على تحديد المنطقة التي ستتعرض للضغط في الموجة التالية.

 

 

وأوضح هوفمان خلال حديث لـ"إرم نيوز" أن قيمة الحملة يعتمد أثرها الحقيقي على قدرة الضربات على تعطيل الصلات بين مكونات القوة العسكرية، فإصابة منشآت متباعدة تؤدي إلى نتيجة أوسع عندما تربك انتقال الأوامر والإمداد والدعم بين الوحدات وتمنع القيادة من تعويض خسائر منطقة عبر الاعتماد على منطقة أخرى.

 

وأضاف أن اتساع الخريطة يضرب مفهوم العمق الآمن الذي اعتمد عليه النظام الإيراني لحماية قدراته من التصعيد قرب الخليج، لأن وصول العمليات إلى الشمال الغربي يعني أن البعد عن مضيق هرمز لم يعد يوفر حصانة للمراكز العسكرية، ما يفرض على طهران إعادة حساب قيمة الانتشار الواسع، إذ أصبح الآن يضاعف عبء الدفاع والحماية