عربي ودولي

دمشق تعيد ترتيب أولوياتها... فماذا عن لبنان؟



يرى بعض المراقبين السياسيين أن التحولات التي تشهدها دمشق منذ الأشهر الأخيرة ليست مجرد تبدل في الخطاب السياسي، بل تبدو، وفق مؤشرات متراكمة، جزءًا من محاولة لإعادة تعريف موقع سوريا في المنطقة بعد سنوات طويلة من الحرب والعزلة.

فالسلطة السورية الجديدة تجد نفسها أمام تحديات داخلية هائلة، تبدأ بإعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد، ولا تنتهي بإعادة نسج العلاقات مع الدول العربية والغربية. وفي ظل هذه الأولويات، يبرز سؤال أساسي: أين يقف لبنان في الحسابات السورية الجديدة؟
خلال العقود الماضية، كان لبنان بالنسبة إلى دمشق ملفًا سياسيًا وأمنيًا من الدرجة الأولى، سواء بحكم الجغرافيا أو التاريخ أو تشابك المصالح. أما اليوم، فتبدو المقاربة مختلفة. فالأولوية السورية، كما توحي مواقف المسؤولين والتحركات الدبلوماسية، باتت منصبة على تثبيت الاستقرار الداخلي، وضبط الحدود، واستقطاب الدعم العربي والدولي، وإعادة إدماج سوريا في محيطها الإقليمي. وهذا التحول، إن استمر، ستكون له انعكاسات مباشرة على لبنان.
فالحدود المشتركة بين البلدين لم تعد مجرد معابر للأشخاص والبضائع، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز الملفات الأمنية، سواء لناحية التهريب أو الهجرة غير الشرعية أو انتقال السلاح. وإذا قررت دمشق اعتماد سياسة أكثر تشددًا في إدارة هذه الحدود، فإن لبنان سيكون أول المتأثرين، إيجابًا أو سلبًا.

ويكتسب هذا الاحتمال أهمية إضافية في ظل الحديث عن رغبة سورية في إعادة تنظيم العلاقة مع المجتمع الدولي، بما ينسجم مع متطلبات الانفتاح العربي والدولي. وفي هذا السياق، تصبح ملفات مثل مكافحة التهريب، وضبط المعابر، والتعاون الأمني، جزءًا من صورة أوسع تتعلق بقدرة سوريا على تقديم نفسها كشريك في الاستقرار الإقليمي.
وهنا لا يمكن تجاهل موقع "حزب الله" في هذه المعادلة. فالـ "حزب" شكّل طوال سنوات جزءًا من المشهد السوري، سواء من خلال حضوره العسكري أو عبر شبكة العلاقات التي نشأت خلال الحرب. إلا أن أي تغيير في أولويات دمشق، أو في طبيعة علاقاتها الخارجية، قد يفرض إعادة تنظيم لهذه العلاقة بما ينسجم مع المصالح السورية المستجدة، لا مع اعتبارات المرحلة السابقة.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة قطيعة أو مواجهة. فالعلاقات التي نسجتها سنوات الحرب لا يمكن أن تتبدل بقرار سريع، كما أن التوازنات الإقليمية لا تزال معقدة. لذلك، تبدو الصورة أقرب إلى إعادة ترتيب للأولويات منها إلى انقلاب في التحالفات.
أما لبنان، فهو مطالب بقراءة هذه المتغيرات بواقعية. فبدل الاكتفاء بردود الفعل، يحتاج إلى مقاربة جديدة للعلاقة مع سوريا، تنطلق من المصالح المشتركة واحترام سيادة الدولتين، وتعالج الملفات العالقة عبر المؤسسات الرسمية، وفي مقدمها أمن الحدود، ومكافحة التهريب، وملف النازحين، والتعاون الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يبني سياساته على توقعات أو رهانات. فالتحولات في دمشق لا تزال في بدايتها، ونتائجها ستتوقف على عوامل داخلية وإقليمية متعددة، من بينها شكل العلاقات السورية مع الدول العربية، ومسار التفاهمات الدولية، ومستقبلالعقوبات، وطبيعة التوازنات الأمنية في المنطقة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت سوريا تغيّرت، بل كيف سيستفيد لبنان من أي تغيير محتمل. فالجغرافيا لن تتبدل، والمصالح المشتركة ستبقى قائمة، لكن طريقة إدارة هذه العلاقة قد تكون مختلفة عما عرفه البلدان خلال العقود الماضية.
قد تكون دمشق اليوم في صدد إعادة ترتيب أولوياتها، لكن الاختبار الأكبر يبقى في قدرة بيروت على إعادة ترتيب أولوياتها هي أيضًا، وبناء علاقة مع سوريا تقوم على منطق الدولة، لا على منطق المحاور، وعلى التعاون، لا على التبعية أو القطيعة.
ففي منطقة تتغير بسرعة، قد تكون الدولة التي تُحسن قراءة التحولات هي الدولة التي تحجز لنفسها مكانًا في مستقبل المنطقة، لا تلك التي تكتفي بمراقبة ما يجري من بعيد.

 

المصدر: لبنان 24