في قاموس السياسة الأميركية، لا وجود للمجاملات او الهدايا المجانية، وكل اسم يُذكر في المكتب البيضاوي يُوزن بميزان المصلحة. من هنا، لم يكن استحضار الرئيس جوزاف عون لاسم الرئيس نبيه بري أمام دونالد ترامب كلاما عابراً، ولا كان كشف ترامب عن أن قناة التواصل مع حزب الله مرت عبر بري مجرد تسريب إعلامي. إنها رسالة عابرة للحدود، قررت في خلالها واشنطن أن تضع مصالحها اللبنانية مجدداً في سلة الرجل الذي يجيد البقاء في لحظة إعادة رسم خريطة النفوذ في لبنان.
المفارقة هنا جديرة بالتوقف عندها. الإدارة التي تصنف حزب الله منظمة إرهابية، تختار أكثر حلفائه براغماتية ليكون صندوق البريد، والمفتاح، وصمام الأمان الأخير. غزلٌ محسوب، يمنح بري شرعية دولية مستجدة، لكنه يضعه في قلب العاصفة، لا على هامشها. هذا الغزل المفاجئ لرجل تصنفه الإدارة الأميركية تاريخياً في خانة حلفاء طهران، يخفي وراءه لعبة شطرنج معقدة. ترامب لا يغازل عبثاً. المعطيات التي تسربت من لقاء واشنطن تقول إن ترامب تعمّد منح بري ما يمكن تسميته "التمريرة الأخيرة". فبعد توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، وهو الاتفاق الذي أصرّت واشنطن على أنه يمهد لسلام دائم، وجدت الإدارة نفسها أمام حائط شيعي مسدود.
بري خرج بتصريح ناري لم يترك مجالاً للتأويل. وصف اتفاق الإطار بأنه "مفروض" و "أسوأ بعشرات المرات من اتفاق 17 أيار 1983"، وقال بصريح العبارة: "هذا الاتفاق لن يمضي ولن ينفذ بصيغته الحالية"، معتبراً أنه "اتفاق إملاءات، وليس اتفاقا يحفظ حقوق لبنان".
هنا قررت واشنطن اللعب بورقة بري نفسه. المطلعون على الزيارة يؤكدون أن الإدارة الأميركية تضغط اليوم على إسرائيل، لمساعدة بري على تسويق الاتفاق أمام بيئته. ترامب قالها بوضوح: نتنياهو قد يستخدم "نهجا أكثر مرونة في لبنان" وأنه يجب أن يتصرف "بمسؤولية أكبر تجاه لبنان".
الرسالة الأميركية لبري كانت: سنضغط على إسرائيل لتنسحب، لنمنحك ورقة الانتصار، لكن عليك أن تحسم موقفك من اتفاق الإطار.
وهنا يقف نبيه بري، مهندس التسويات اللبنانية منذ الطائف، أمام أصعب معادلة في مسيرته السياسية.
بري حاول وضع سقفه الخاص لإنقاذ ماء الوجه. طرح معادلته الشهيرة: "الانسحاب مقابل الانسحاب"، أي انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط. بل وذهب أبعد، ليقول إن الفرصة الوحيدة للبنان هي "في مسار المفاوضات الإيرانية – الأميركية" وليس في مسار منفصل مع إسرائيل.
لكن الوقائع على الأرض لا تساعده. إسرائيل لم تلتزم حتى الآن بأي انسحاب جديد من المناطق التجريبية، بل على العكس، جددت قصفها، ووزير دفاعها يسرائيل كاتس أكد أن الجيش سيبقى طالما بقي حزب الله مسلحاً.
بري يدرك أنه أمام خيارين لا ثالث لهما فإما السير في المسار الأميركي، أي تمرير اتفاق الإطار، وهذا يعني خسارة ما تبقى من غطاء الثنائي الشيعي ومواجهة مباشرة مع حزب الله الذي اعتبر الاتفاق "منعدم الوجود" ومع بيئة تتهمه بالتنازل، أو البقاء في المنطقة الرمادية، والوقوف إلى جانب بيئة الثنائي بحجة أن إسرائيل لم تتنازل عن أي شرط.
الخيار الثاني مريح شعبياً، لكنه مدمر سياسياً. فالمطلعون يعرفون أن ما بعد هذه التسوية ليس كما قبلها. إذا عادت الحرب وتوسعت، وإذا سقطت ورقة طهران من المعادلة بعد الاتفاق الأميركي-الإيراني الذي يذكر لبنان ثلاث مرات كما يقول بري نفسه، فإن بري سيكون قد خسر الغطاء الأميركي الوحيد الذي يحميه من العاصفة.
الغزل الأميركي إذن ليس حباً، بل هو استثمار. واشنطن تشتري بري كـ "ضامن" لنزع سلاح الحزب جنوب الليطاني، وتدفع له بالعملة التي يحبها: الاعتراف بدوره كممثل شرعي للشيعة في لبنان، وليس الحزب.فهل يلتقط بري التمريرة الأخيرة قبل صافرة النهاية، أم يفضل البقاء حارساً للمنطقة الرمادية حتى تحترق المنطقة كلها؟.
