كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
منذ أسبوع، يتعرض الأردنّ لموجة غير مسبوقة من الهجمات الإيرانية. فقد استهدفت أربع ضربات، على مدى خمسة أيام، منشآت عسكرية أميركية على أراضيه، ما أسفر عن سقوط عدد من القتلى وعشرات الجرحى.
ويعود هذا التصعيد إلى تداخل مجموعة من العوامل الاستراتيجية، والعسكرية، والسياسية.
دور لوجستيّ بات محوريًّا بالنسبة إلى واشنطن
اكتسب الأردنّ، وفق صحيفة “نيويورك تايمز”، أهميةً استراتيجيةً متزايدةً مع قيام عدد من حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين بتقييد وصول واشنطن إلى قواعدهم العسكرية ومجالاتهم الجوية. وكان البنتاغون قد بدأ، قبل الحرب وفي أيامها الأولى، بنقل قوات من البحرين، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، إلى مواقع اعتُبرت أكثر أمانًا، لا سيّما في الأردنّ وإسرائيل.
ويستضيف الأردنّ عددًا من القواعد العسكرية الأميركية، كما يتعاون منذ سنوات طويلة مع واشنطن في المجالات العسكرية، والاستخباراتية، ومكافحة الإرهاب.
وتلفت صحيفة “Ynet” الإسرائيلية إلى أنّ الأردنّ، بخلاف الملكيات الخليجية الغنية، يعتمد بدرجة أكبر بكثير على المساعدات الأميركية، ما يحدّ من قدرته على رفض طلبات واشنطن.
ويشير خبير نقلت “نيويورك تايمز” عنه إلى أنّ المملكة ليست في موقع يسمح لها برفض هذه الطلبات، نظرًا إلى اتفاقية الأمن الّتي تربطها بالولايات المتحدة، وإلى موازين القوى القائمة بين البلديْن.
تصعيد ممنهج وموثّق
يكشف التسلسل التفصيليّ للأيام الخمسة الأخيرة عن تصعيد تدريجيّ ومدروس.
فقد استهدفت الضربة الأولى مجمعًا سكنيًّا في قاعدة الملك فيصل الجوية، ما أدى إلى إصابة خمسة عسكريين أميركيين.
أمّا الضربة الثانية، فقد طالت قاعدة في شرق البلاد كانت تتمركز فيها مروحيات أميركية من طراز “بلاك هوك”، وألحقت أضرارًا بعدد كبير منها.
وبعد ثمانٍ وأربعين ساعة، أصابت صواريخ إيرانية قاعدة موفق السلطي الجوية قرب الأزرق، ما أدى إلى إصابة نحو عشرين جنديًّا كانوا يحتمون في الملاجئ.
وتعرضت القاعدة عينها لضربة ثانية يوم الجمعة، أسفرت هذه المرة عن مقتل أميركييْن اثنيْن، وإصابة أربعة آخرين.
وأعلن الجيش الإيرانيّ مسؤوليته عن هجوم بطائرات مُسيّرة استهدف خزانات الوقود في هذه القاعدة، فيما أكد الحرس الثوريّ الإسلاميّ استهداف ملاجئ الطائرات، وفق وكالة “فارس”.
استراتيجية ردع إقليمية
يندرج هذا التصعيد، وفق صحيفة “جيروزاليم بوست”، ضمن منطق إيرانيّ ثابت: فمع كل ضربة تتعرض لها طهران، يأتي الردّ عبر كامل خط المواجهة الإقليميّ الّذي يمتد من لبنان إلى العراق، مرورًا بالأردنّ، وصولًا إلى الخليج.
ويتمثّل الهدف في توجيه رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، مفادها أنّ أي ضربة تستهدف إيران ستُقابل بردود انتقامية على جبهات متعددة في آنٍ واحد. ويظهر المنطق عينه في الكويت، والبحرين، والإمارات، والسعودية، وسلطنة عُمان، وخصوصًا في إقليم كردستان شمال العراق، حيث نفذت إيران مئات الهجمات ضد جماعات المعارضة الكردية الإيرانية.
فرضية عملية لتحييد الدفاعات
تطرح الوسيلة الإعلامية الإماراتية “ذا ناشيونال” تفسيرًا أكثر ارتباطًا بالجانب العملياتيّ، مفاده أنّ إيران قد تسعى إلى إضعاف الدفاعات الجوية الأردنية تمهيدًا لهجوم محتمل في المستقبل ضد إسرائيل. فالأردنّ يقع على واحد من أكثر الممرّات الجوية استخدامًا لإطلاق الصواريخ الإيرانية باتجاه إسرائيل، وقد اعترضت بطارياته عددًا كبيرًا من المقذوفات خلال العاميْن الماضييْن.
وترى الضابطة السابقة في الاستخبارات العسكرية لينيت نوسباخر، الّتي نقلت عنها “ذا ناشيونال”، أنّ طهران تسعى إلى فتح ممر لهجمات مستقبلية واسعة بالطائرات المُسيّرة، في وقت تُعتبر فيه مخزونات الصواريخ الباليستية الإيرانية غير كافية لتنفيذ موجات جديدة واسعة النطاق ضد إسرائيل. كما تشير إلى احتمال أن تزود روسيا إيران ببيانات استهداف دقيقة بشأن الرادارات، وأنظمة الدفاع الأردنية.
غضب أردنيّ متصاعد
على الصعيد الدبلوماسيّ، عبّرت عمّان عن غضبها. فقد استدعت وزارة الخارجية الأردنية ممثلًا عن السفارة الإيرانية للاحتجاج على استمرار الهجمات والتصريحات الصادرة عن مسؤولين إيرانيين بحق المملكة.
وبحسب “Ynet”، حاول الحرس الثوريّ الإيرانيّ أيضًا تحريك الرأي العام الأردنيّ ضد حكومته، وضد الوجود العسكري الأميركيّ، عبر رسالة دعت الأردنيين إلى طرد القوات الأميركية من أراضيهم.

