خاص

خاص: يوسف الدويهي - العمل في الشأن العام لا يُختصر بعرض الصور وصفّ الكلام 



بقلم للمحامي يوسف بهاء الدويهي

لم يعد صعباً اليوم أن يبدو السياسي حاضراً.

يكفي أن يظهر على شاشة، أو ينشر صورة، أو يعلّق على حدث، أو يطلق موقفاً في كل مناسبة، حتى تتكوّن صورة عن نشاط سياسي دائم لا يتوقف.

لكن بين الحضور الحقيقي وكثرة الظهور مسافة كبيرة، وبين الموقف السياسي والعمل السياسي فرق أكبر.

فقد يملأ السياسي الخواء كلاماً، فيبدو حاضراً فيما هو غائب عن الفعل.

وهنا تكمن المشكلة: عندما يصبح عدد الإطلالات معياراً للحضور، وعدد المنشورات دليلاً على النشاط، وعدد الكلمات بديلاً عن النتائج، نكون قد انتقلنا من ممارسة السياسة إلى صناعة صورة عن السياسة.

العمل في الشأن العام ليس عرضاً للصور، ولا صفّاً للكلام.

السياسة، في جوهرها، هي العمل لتأمين حياة أفضل للناس، وحماية مصالحهم، وصون حقوقهم، وبناء دولة قادرة على مواجهة أزماتها وصناعة مستقبل أفضل لأبنائها.

لذلك لا تُقاس السياسة بكمية ما قيل، بل بما تحقق؛ ولا بعدد المرات التي ظهر فيها السياسي، بل بما تركه من أثر؛ ولا بقدرته على جذب الانتباه، بل بقدرته على صناعة الحلول.

السياسة ليست مسابقة في كثافة الظهور، ولا سباقاً على احتلال الشاشات، ولا محاولة دائمة للبقاء في دائرة الضوء.

هي رؤية ومسؤولية وموقف وقرار، قبل أن تكون صورة وتصريحاً ومنشوراً.

والسياسي المنتج يعرف أن الكلام وسيلة، وليس غاية؛ وأن الظهور يجب أن يخدم العمل، لا أن يتحول العمل إلى وسيلة للظهور.

ليس مطلوباً من السياسي أن يعلّق على كل شيء، ولا أن تكون له إجابة جاهزة على كل حدث. فامتلاك الموقف لا يعني استعراضه في كل مناسبة، والحضور لا يعني بالضرورة كثرة الكلام.

أحياناً يكون الصمت أكثر مسؤولية من تصريح متسرّع، والعمل الهادئ خلف الكواليس أكثر قيمة من إطلالة أمام الكاميرات، والمتابعة الجدية لملف واحد حتى نهايته أهم من عشرات المواقف التي تنتهي بانتهاء البث.

المشكلة تبدأ عندما تتحول وسائل التواصل الاجتماعي من وسيلة للتواصل مع الناس إلى غاية بحد ذاتها.

عندها يصبح السياسي مشغولاً بما سيقوله أكثر من انشغاله بما سيفعله، وبردود الفعل على كلامه أكثر من اهتمامه بنتائج عمله.

ويصبح السؤال: كم مرة ظهر؟

بينما السؤال الحقيقي هو:

ماذا أنجز؟

كم قانوناً ساهم في تحسينه؟
كم مشكلة ساهم في حلها؟
كم ملفاً تابع حتى نهايته؟
كم موقفاً اتخذه عندما كان الموقف مكلفاً؟
وكم وعداً حوّله إلى نتيجة ملموسة؟

هذه هي السياسة التي تستحق أن تُقاس.

فالسياسي لا يُقاس بعدد الكلمات التي قالها، بل بقدرته على تحويل الكلمة إلى فعل، والفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى نتيجة.

الدولة لا تُبنى بالتصريحات، ولا تُصلح المؤسسات بكثرة المقابلات، ولا تُستعاد ثقة الناس بالمنشورات.

الدولة تحتاج إلى سياسيين يفكرون قبل أن يتكلموا، ويعملون أكثر مما يتحدثون، ويحاسبون أنفسهم على النتائج لا على حجم التفاعل.

وليس المطلوب من السياسي أن يصمت، بل أن يعرف متى يتكلم، ولماذا يتكلم، وماذا سيفعل بعد أن يتكلم.

فالسياسة الجادة ليست أن يكون لك رأي في كل شيء، بل أن يكون لك أثر في شيء.

وفي زمن أصبح فيه الوصول إلى الناس أسهل من أي وقت مضى، أصبح من الضروري أن نميّز بين الوصول إلى الشاشة والوصول إلى الناس، وبين صناعة صورة عن العمل السياسي وصناعة العمل السياسي نفسه.

قد يملأ السياسي الخواء كلاماً، وقد ينجح في جذب الانتباه لبعض الوقت، لكن الخواء يبقى خواءً مهما ارتفع الصوت.

وفي النهاية، لا يبقى من السياسي ما قاله فقط، بل ما تركه وراءه.

فالناس لا تحتاج إلى من يثبت لها أنه حاضر، بل إلى من يثبت لها أنه يعمل.

الظهور ليس حضوراً.
والضجيج ليس سياسة.
والكلام ليس عملاً.
والعمل في الشأن العام لا يُختصر بعرض الصور وصفّ الكلام.