خاص

حوار خاص - الأب ميشال عبود لـ "وجوه البلد": الإنسان الجوعان ما في يصلي.. والكلمة واللقمة يتكاملان



بين خشوع الصومعة وضجيج الشارع اللبناني المثقل بالأزمات، يقف الأب ميشال عبود الكرملي، الرئيس الإقليمي للرهبنة الكرملية والرئيس السابق لرابطة "كاريتاس لبنان"، ليعيد تعريف الخدمة الكنسية بوصفها فعل وجود وانحياز تام للإنسان. في إطلالة استثنائية عبر برنامج "وجوه البلد" الذي تقدمه الإعلامية كريستال عيد عبر VTV Lebanon وأثير صوت كل لبنان وموقع أخبار البلد، يفتح الأب عبود ملفات شائكة تمس عمق الحياة اليومية للبنانيين، محولاً الخبرة الروحية إلى خطاب واقعي يلامس الوجع والكرامة.

من عكار إلى الحازمية.. الجذور لا تموت

لا يتردد الأب ميشال في العودة إلى بداياته الأولى شاباً من أرياف عكار يخطو أُولى خطواته نحو الدير في الحازمية بعمر التاسعة عشرة. وعن هذه الانتقالة الفارقة يقول:

"النضوج الروحي والفكري يغير الكاركتر ويكسبه اتزاناً، لكنه أبداً لا يمس الجوهر. التخلي عن بيئة الضيعة وعلاقاتها العفوية أمر مرفوض بالنسبة لي؛ فمن لا يعرف من أين أتى، لن يعرف حتماً إلى أين يتجه."

وعن سر الدعوة الكهنوتية، يوضح أنها تتكامل بين بُعدين لا ينفصلان: الصلاة كجلسة مكاشفة مع الله، والرسالة كفعل إخبار عنه للناس. ويضيف أن المعيار الأساسي لصحّة الخيار وسط كل التساؤلات والشكوك يتلخص في شرطين: السلام الداخلي والفرح الصافي.

الخدمة الاجتماعية: الكلمة واللقمة

في مقاربة واقعية للوضع المعيشي الضاغط، يسقط الأب عبود أي حد فاصل بين الخدمة الروحية والعمل الاجتماعي الإنساني، مستشهداً بعبارة لاهوتية حاسمة:

"الإنسان الجوعان ما في يصلي.. لتوصلي لقلبه بدك تبلشي ببطنه. الأزمة الأخيرة في لبنان كشفت عن فقر مدقع تسلل إلى بيوت مستورة في القرى والمدن على حد سواء، حتى رأينا قضاة ومعلمين يعانون في صمت. واجبنا في كاريتاس لم يكن مجرد تقديم المساعدة، بل صون الكرامة والإصرار على السرية المطلقة."

الكهنوت والمجتمع: الانفتاح بلا انزلاق

وحول حضور رجال الدين في الفضاء العام والمناسبات الاجتماعية، يرى الأب عبود أن هذا الانفتاح هو امتداد طبيعي للنهج الإنجيلي:

"المسيح لم ينعزل، بل دخل إلى عمق المجتمع وشارك الناس أفرَاحهم وموائدهم. نحن مدعوون لنكون وسط الناس وعلامة فارقة بينهم، بشرط ألا ننجرف إلى الأخطاء، وأن تُسخّر هذه العلاقات لخدمة الرعية لا للراحة الشخصية."

تفكك العائلات وقضايا الساعة

وعند التطرق للارتفاع النافي لنسب الطلاق والتفكك الأسري، يرجع الأب عبود المشكلة إلى جذورها الهيكلية:

  • غياب التنشئة والتحضير الواعي قبل اتخاذ قرار الزواج.
  • تراجع ثقافة التضحية وتضخم الأنانية على حساب الشراكة.
  • غياب المرونة في التعامل مع ضغوط الحياة الحديثة.

ويرى أن الحل يبدأ من فهم أن الزواج الناجح هو التزام قائم على المحبة غير المشروطة وليس على الشروط المتبادلة.

رسالة إلى الشباب والوطن

وفي حديثه عن مشاركته الأخيرة في مؤتمر السلام بالعاصمة البريطانية لندن، شدد على أن السلام لا يصنعه قادة الحروب، بل يولد في ذوات الأفراد أولاً وينعكس على محيطهم. وختم الأب ميشال عبود حديثه بوجدان إنساني موجهاً رسالته للشباب اللبناني:

"لا تدعوا اليأس يتخذ القرار عنكم. إن قررتم البقاء فليكن ذلك ضمن مشروع وهدف، وإن اخترتم المغادرة فلتكن الهجرة خطوة لبناء المستقبل مع الحفاظ على الانتماء للبنان... واعلموا دائماً أن الإنسان الحيوي يضع الحياة حيثما وجد."