بقلم المحامي فؤاد الأسمر
لعقود طويلة تبوأ القضاء اللبناني موقع منارة العلم والحق والقانون. قضاء تولاه خيرة فرسان العدالة وأباطرة الكلمة ورواد الفكر القانوني في الشرق والغرب. قضاء أوقف السياسة والسياسيين، مهما علا شأنهم، عند عتبة قصر العدل.
إنما يعتمل الأسى في القلوب وتدمع العين حارقة على رؤية هذا الصرح العظيم يتهاوى، منذ عدة عقود، متغافلاً عن تأدية دوره السيادي.
كيف يجوز لموقوفين أمضوا عقوداً من الزمن قابعين في زنزانات الذلّ دون أحكام نهائية تدين المجرم منهم وتحرر البريء لنشهد صدور قانون عفو معتور تحت ستار انقاذهم؟
كيف يُسمح لميليشياوي أن يقتحم قصر العدل ويهدد، بكل وقاحة، قاضٍ من أشرف قضاة لبنان لأنه يقوم بواجباته؟
كيف يسكت القضاء عن عشرات الشكاوى وطلبات الرد، وما تضمنته من إساءات مشينة بحق قضاة شرفاء، لا لذنب اقترفوه سوى النظر بملف أرهاب تفجير مرفأ بيروت؟
كيف يغطي القضاء استيلاء المصارف على إيداعات ملايين الناس والكيانات، في أسوأ مجزرة بتاريخ الإجرام الاقتصادي، دون أن يحرك ساكناً، لا بل يعتكف مرتكباً جريمة التقاعس عن احقاق الحق؟
كيف يقبل القضاء اللبناني أن يرأف القضاء الأجنبي بالضحايا الأبرياء من المودعين اللبنانيين وينصفهم بقراراته، في حين تُهمل محاكمنا إنصاف الشعب الذي تحكم باسمه؟
لماذا التستّر عن واقع قصور العدل المزري والمباني المتصدعة وما تعانيه من تلف وضياع الملفات، بفعل هذا الاهتراء، دون ملاحقة السلطة السياسية المسؤولة جرمياً والا تقصيرياً عن ذلك؟
هل من المقبول سقوط آلاف الملفات ومعها مصالح الناس بمرور الزمن الثنائي، نتيجة لسلسلة إضرابات مديدة اقدم عليها السادة القضاة والمساعدين القضائيين ونقابة المحامين؟
هذا غيض من فيض أسئلة كثيرة يصمّ القضاء آذانه عنها.
اليوم، في هذا الظرف التاريخي الذي يبشر بقيامة الدولة، تترتب على القضاء اللبناني المسؤولية الكبرى باستنهاض صرح العدالة وإعادته عظيماً جباراً على مستوى الأمال والتحديات.
ألم يحن الوقت لانتفاضة تُخرِج القضاء الصامت من عباءة السياسة وتعيده سلطةً يهابها كبار المجرمين قبل الصغار؟
